لكل السوريين

قصر الزهراوي في حمص.. حكاية سبعة قرون من العمارة والتاريخ

من دار للحكم في العصر المملوكي إلى معلم تراثي يختزن ذاكرة المدينة، يواجه القصر اليوم اختباراً جديداً بين متطلبات الترميم وضرورة الحفاظ على أصالته التاريخية.

في قلب مدينة حمص القديمة، وتحديداً في حي الحميدية، يقف قصر الزهراوي شاهداً على قرون من التحولات التي شهدتها المدينة، حاملاً بين جدرانه ملامح العمارة المملوكية والعثمانية، وتفاصيل من الحياة السياسية والاجتماعية التي مرت بها المنطقة. ولا تقتصر أهمية القصر على قدم بنائه، بل تتجاوز ذلك إلى قيمته المعمارية والتاريخية بوصفه أحد أبرز البيوت الأثرية التي بقيت شاهدة على تاريخ حمص العمراني.

ويعود الجزء الأقدم من القصر إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وتحديداً إلى عام 661 للهجرة، الموافق 1262-1263 ميلادية، وفقاً للكتابة التأسيسية المنقوشة على إحدى واجهاته. وتشير هذه الكتابة إلى أن علي بن أبي الفضل الأزهري هو من بنى الدار، التي ارتبطت لاحقاً بوظائف إدارية وحكومية، قبل أن تتعاقب عليها الإضافات والتغييرات المعمارية خلال العصور اللاحقة.

ويعكس هذا الامتداد الزمني أهمية القصر في قراءة تاريخ المدينة، إذ لا يمثل بناءً أثرياً معزولاً عن محيطه، بل نموذجاً معمارياً يكشف عن تطور أنماط البناء واختلاف الوظائف التي أدتها البيوت الكبيرة في المدن السورية القديمة.

عمارة تجمع ملامح عصور مختلفة

يتألف القصر من قسمين رئيسيين يعكسان مراحل مختلفة من تاريخ حمص. يُعرف القسم الأول باسم «الدار الكبيرة»، ويضم الأجنحة الشمالية والشرقية والغربية، ويعود بناؤه إلى العصر المملوكي. أما القسم الثاني، المعروف باسم «القصر»، فيشمل الجزء الجنوبي الذي شهد إضافات معمارية خلال العهد العثماني، ولا سيما في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.

وتبرز خصوصية القصر في باحته الداخلية التي تحيط بها الغرف والقاعات، وفي الإيوان الذي يشكل أحد أبرز عناصره المعمارية، وتعلوه قبة ذات هيئة صدفية تتزين أسفلها بالمقرنصات الدقيقة. كما تتنوع العقود والقباب في أجنحته، بما يعكس مهارة البنّائين والحرفيين الذين أسهموا في تشييده وتطويره عبر الزمن.

ولا تتوقف القيمة الفنية للقصر عند توزيع غرفه وأروقته، إذ تتجلى أيضاً في الزخارف والنقوش الحجرية التي تحمل دلالات تاريخية، من بينها شعار السلطان المملوكي الظاهر بيبرس المتمثل بأسدين متقابلين، وهو عنصر يربط المبنى بمرحلة مهمة من تاريخ العمارة والحكم في بلاد الشام.

وتكشف هذه التفاصيل عن أساليب معمارية متعددة اجتمعت في مكان واحد، لتمنح القصر قيمة تتجاوز وظيفته السكنية القديمة، وتجعله شاهداً مادياً على تطور الفن المعماري في حمص، وعلى التفاعل بين المراحل التاريخية التي مرت بها المدينة.

من دار للحكم إلى معلم أثري

ارتبط قصر الزهراوي بوظائف إدارية وحكومية في مراحل تاريخية مختلفة، إذ استُخدم مقراً للحكم، وهو ما تفسره بعض خصائص تصميمه وطبيعة بنائه. ومع مرور الزمن، حمل القصر اسم عائلة الزهراوي الحمصية التي أقامت فيه، ليصبح الاسم المتداول للمبنى حتى اليوم.

وفي إطار الجهود الرامية إلى حماية الأبنية التاريخية، سُجّل القصر ضمن المباني الأثرية عام 1967، ثم استملكته مديرية الآثار عام 1978 بهدف المحافظة عليه والاستفادة منه في مشروع لتحويله إلى متحف للتقاليد الشعبية. غير أن تحقيق هذا الهدف ظل مرتبطاً بمتطلبات الصيانة والتأهيل والحفاظ على مكونات المبنى التاريخية.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن القصر لا يمثل مجرد أثر معماري، بل يحمل جانباً من الذاكرة الاجتماعية للمدينة، إذ تتيح دراسة البيوت التاريخية التعرف إلى أنماط السكن والحياة اليومية والعلاقات بين الفضاءات المنزلية والوظائف العامة التي احتضنتها المباني في الماضي.

أعمال الترميم تعيد القصر إلى الواجهة

عاد قصر الزهراوي إلى دائرة الاهتمام خلال تشرين الأول الجاري، مع تداول معلومات عن أعمال صيانة وتأهيل داخل المبنى، أثارت تساؤلات بشأن طبيعة التدخلات ومدى تأثيرها في عناصره التاريخية.

وفي 11 تشرين الأول 2026، أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف إجراء كشف ميداني شارك فيه فريق فني وأثري من مديرية الهندسة بالتعاون مع شعبة التنقيب في دائرة آثار حمص، بهدف تقييم الأعمال المنفذة والتحقق من توافقها مع المعايير الهندسية والأثرية المعتمدة.

وبحسب بيان المديرية، أظهرت نتائج الكشف أن الأعمال تندرج عموماً ضمن الصيانة وإعادة التأهيل وتحسين الخدمات الأساسية، من دون تسجيل تغييرات جوهرية في التخطيط أو النسيج المعماري التاريخي للقصر. كما شملت التدخلات معالجة مظاهر التدهور وإزالة طبقات وإضافات حديثة اعتُبرت غير ملائمة، مع الحفاظ على المكونات المعمارية الأساسية للمبنى.

وتطرقت المديرية كذلك إلى العظام التي عُثر عليها في أقبية القصر، موضحة أنها تعود إلى الحقبة البيزنطية، وأنها مرتبطة بأعمال تنقيب أثري طارئة نُفذت عام 1991 بإشراف الآثاري عبد العزيز الرفاعي، وأسفرت عن العثور على عظام ولقى فخارية، نُقل بعضها إلى متحف حمص.

أما تمويل أعمال الترميم الحالية، فأوضحت المديرية أنه جاء من خلال تبرع قدمته الجهة المستثمرة، من دون تحميل وزارة الثقافة أو المديرية العامة للآثار والمتاحف أو خزينة الدولة أعباء مالية، مؤكدة استمرار متابعة الأعمال لضمان الحفاظ على أصالة المبنى وقيمته التاريخية.

حماية التراث مسؤولية تتجاوز الترميم

تطرح تجربة قصر الزهراوي سؤالاً أوسع بشأن مستقبل المباني التاريخية في سوريا، وكيفية الموازنة بين حمايتها من التدهور والاستفادة منها في الحياة الثقافية والسياحية المعاصرة.

فترميم الأبنية الأثرية لا يقتصر على إصلاح الجدران والأسقف أو تحسين الخدمات، بل يتطلب فهماً دقيقاً لتاريخ المبنى ومواده الأصلية وخصائصه المعمارية، مع تجنب التدخلات التي قد تمحو آثار المراحل التاريخية المتعاقبة أو تغير ملامحها.

كما أن الحفاظ على هذه المعالم لا يكتمل بمجرد تنفيذ أعمال الصيانة، بل يحتاج إلى خطة واضحة لإدارتها والاستفادة منها ثقافياً، وإتاحتها للجمهور وفق متطلبات السلامة والحماية الأثرية. ويمكن أن يسهم توظيفها في الأنشطة الثقافية والمعارض والتعريف بتاريخ المدينة في تعزيز ارتباط السكان بتراثهم، وتحويل الأبنية القديمة إلى فضاءات حية تنقل المعرفة بين الأجيال.

وفي حمص، حيث تختزن الأحياء القديمة شواهد متعددة على تاريخ المدينة، يبقى قصر الزهراوي واحداً من المعالم التي تستحق الاهتمام، لما يجمعه من قيمة معمارية وأثرية وذاكرة تاريخية. وتظل أهمية أعمال الترميم مرتبطة بقدرتها على صون هذه القيمة، وضمان بقاء القصر شاهداً على تاريخ حمص، لا مجرد بناء قديم جرى تجديده.

- Advertisement -

- Advertisement -