لكل السوريين

راتبها يطعم الأسرة.. كيف أصبحت المرأة السورية المعيل الأول في آلاف البيوت؟

لم تعد صورة المرأة السورية التي تنتظر راتب الزوج في نهاية الشهر تنطبق على عدد متزايد من الأسر. فخلال سنوات الحرب والنزوح والفقر، وجدت آلاف النساء أنفسهن في موقع المعيل الرئيسي، بعد فقدان الزوج أو غيابه أو هجرته، وأحياناً نتيجة عجز الأسرة عن الاستمرار بدخل واحد.

لم يكن الانتقال من دور ربة المنزل إلى دور المعيلة خياراً دائماً. بالنسبة إلى كثير من النساء، بدأ الأمر من ظرف قاسٍ: زوج فقدته الحرب، أو أب غادر البلاد، أو أسرة نزحت من منطقة إلى أخرى، أو دخل لم يعد يكفي لتأمين الطعام والسكن والتعليم. ومع الوقت، تحولت الحاجة إلى العمل من حل مؤقت إلى مسؤولية يومية تستمر معها المرأة في إدارة المنزل ورعاية الأطفال وتأمين الدخل في الوقت نفسه.

وتوثق الأمم المتحدة حالات لنساء سوريات فقدن أزواجهن واضطررن إلى تربية أطفالهن بمفردهن. وخلال زيارة إلى سوريا في مارس 2025، تحدثت المديرة الإنسانية لصندوق الأمم المتحدة للسكان عن امرأة فقدت زوجها أثناء النزاع وأصبحت تعيل أطفالها السبعة وحدها، بينما كانت تكافح في الوقت ذاته لتوفير الغذاء والسكن وإبقاء أطفالها في المدرسة.

من ربة منزل إلى مصدر الدخل الرئيسي

لم يعد دخول المرأة سوق العمل مرتبطاً فقط بالرغبة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي؛ ففي حالات كثيرة أصبح العمل ضرورة للحفاظ على الأسرة.

وفي المناطق الريفية، دفعت الأزمة الاقتصادية وتراجع مصادر الدخل نساء إلى العمل في الزراعة والأعمال اليومية ومهن صغيرة ومتنوعة. وتظهر دراسة نشرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول النساء في شمال شرق سوريا أن النساء لجأن بصورة متزايدة إلى العمل اليومي ومهن كانت توصف تقليدياً بأنها مهن للرجال، في محاولة للتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما كانت الأرامل والنساء اللواتي هاجر أزواجهن أو أقاربهن في مقدمة الفئات الأكثر تعرضاً لضغط إعالة الأسرة.

لكن الحصول على دخل لا يعني بالضرورة التخلص من الضغوط. فالمرأة التي تعمل خارج المنزل غالباً ما تعود إلى مسؤولياتها المنزلية نفسها؛ الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال وإدارة شؤون الأسرة، ما يجعل يومها موزعاً بين عمل مدفوع الأجر وعمل منزلي غير مدفوع.

يوم عمل لا ينتهي

تظهر إحدى أكثر المفارقات وضوحاً في تجربة المرأة المعيلة في أن دخولها سوق العمل لم يؤد بالضرورة إلى انخفاض مسؤولياتها المنزلية.

وتشير دراسة للأمم المتحدة حول نساء في شمال شرق سوريا إلى أن النساء يواصلن تحمل الجزء الأكبر من الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال حتى بعد انتهاء يوم العمل، بينما لم يذكر أي رجل من المشاركين في الدراسة أنه تولى الطبخ، ولم يذكر سوى واحد في المئة منهم مشاركته في التنظيف.

وهكذا تجد المرأة نفسها أمام وظيفتين في وقت واحد: وظيفة توفر دخلاً للأسرة، وأخرى داخل المنزل لا تحصل مقابلها على أجر.

وتصبح هذه المعادلة أكثر صعوبة عندما يكون لديها أطفال صغار، إذ تضطر بعض النساء إلى اصطحاب أطفالهن إلى أماكن العمل لعدم وجود من يرعاهم، وهو ما وثقته الدراسة الأممية في بعض المناطق الريفية.

الاقتصاد المنزلي بوجه نسائي

لا تعمل جميع النساء المعيلات في وظائف رسمية. فجزء منهن اتجه إلى مشاريع صغيرة من المنزل، مثل الخياطة والطهي وإعداد المنتجات الغذائية أو التجارة البسيطة، بينما تعمل أخريات في الزراعة أو الخدمات أو الأعمال اليومية.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن دعم المشاريع الصغيرة وسبل العيش الموجهة إلى النساء والأسر التي تعيلها نساء أصبح جزءاً من برامج الاستجابة الاجتماعية والاقتصادية في سوريا، مع التركيز على الانتقال من المساعدات قصيرة الأجل إلى مصادر دخل أكثر استدامة.

لكن هذه المشاريع تبقى معرضة لتحديات عديدة، أبرزها ضعف القدرة على الوصول إلى التمويل والأسواق، وارتفاع أسعار المواد الأولية، وصعوبة تأمين مكان للعمل، إلى جانب مسؤوليات الرعاية التي تحد من قدرة المرأة على تخصيص وقت أطول لمشروعها.

حين يصبح دخل المرأة مسؤولية عائلة كاملة

بالنسبة إلى المرأة المعيلة، لا يعني الحصول على راتب أو دخل صغير أنها أصبحت مستقلة اقتصادياً بالضرورة.

فالدخل قد يذهب بالكامل إلى الإيجار والطعام والدواء والملابس ومصاريف الأطفال، فيما لا يتبقى منه شيء تقريباً للادخار أو تطوير المشروع أو مواجهة الطوارئ.

وهذا يجعل المرأة المعيلة أكثر حساسية تجاه ارتفاع الأسعار وفقدان العمل. فغياب يوم واحد عن العمل قد يعني نقصاً في الطعام، وتأخر دفع الإيجار قد يعني تهديد الأسرة بفقدان السكن، فيما يمكن أن يتحول مرض أحد الأطفال إلى أزمة مالية يصعب احتواؤها.

الأرملة والمطلقة والنازحة.. وجوه متعددة للمعيلة

لا تنتمي المرأة المعيلة إلى فئة اجتماعية واحدة. فهناك الأرملة، والمطلقة، والمرأة التي هاجر زوجها، وأخرى أصبح زوجها عاجزاً عن العمل، إضافة إلى نساء يتحملن إعالة أسرهن في ظل ظروف نزوح أو انفصال أفراد الأسرة عن بعضهم.

وتؤكد بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء المعيلات يواجهن في مناطق الأزمات حواجز خاصة في الوصول إلى الدخل والحماية والخدمات، وهو ما يجعل دعم سبل العيش بالنسبة إليهن جزءاً من حماية الأسرة بأكملها، وليس مجرد برنامج لتمكين المرأة.

وفي الحالة السورية، تتداخل هذه العوامل مع النزوح والفقر وتضرر البنية الاقتصادية، لتصبح قدرة المرأة على العمل مرتبطة مباشرة بقدرة أسرتها على الاستمرار.

من المساعدة إلى الإنتاج

تغيير وضع المرأة المعيلة لا يرتبط فقط بتقديم المساعدات المالية. فالمساعدة قد تؤمن احتياجات الأسرة لفترة محدودة، لكن الدخل المستدام يحتاج إلى مهارة وفرصة عمل وسوق تستطيع المرأة الوصول إليه.

ولهذا اتجهت برامج أممية في سوريا إلى دعم التدريب المهني وسبل العيش والمشاريع الصغيرة، مع استهداف النساء والأسر الأكثر هشاشة. وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن دعم المشاريع الصغيرة للنساء والأسر التي تعيلها نساء كان مطروحاً ضمن جهود توسيع المشاركة الاقتصادية للمرأة وتحويل المساعدات من شكل إغاثي مباشر إلى فرص إنتاجية أكثر استدامة.

غير أن تحقيق ذلك يحتاج إلى أكثر من دورة تدريبية أو منحة صغيرة؛ فالمرأة تحتاج أيضاً إلى سوق، ورأس مال، ووسيلة نقل آمنة، ورعاية للأطفال، وبيئة عمل لا تجعل مسؤوليات الأسرة عائقاً أمام استمرارها في العمل.

المرأة التي تحمل الأسرة.. من يحمل عنها؟

القصة الحقيقية للمرأة المعيلة لا تكمن فقط في أنها بدأت العمل، بل في حجم المسؤوليات التي تراكمت فوقها.

فهي قد تكون الموظفة والعاملة والأم والمربية ومديرة المنزل في الوقت نفسه، وقد تتحمل وحدها قرارات تتعلق بالغذاء والتعليم والسكن والصحة.

وبينما يُنظر إلى دخول النساء سوق العمل أحياناً باعتباره علامة على تغير اجتماعي إيجابي، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون هذا الدخول نتيجة فقدان المعيل أو انهيار دخل الأسرة. فالاستقلال الاقتصادي الذي يأتي من الاختيار يختلف عن العمل الذي تفرضه الضرورة.

ومع ذلك، فقد كشفت سنوات الأزمة عن قدرة واسعة لدى النساء السوريات على إعادة بناء مصادر دخل أسرهن، وفتح مشاريع صغيرة، والعمل في قطاعات مختلفة، وتحمل مسؤوليات اقتصادية لم تكن موزعة بالطريقة نفسها قبل الأزمة.

اليوم، لم تعد المرأة المعيلة حالة استثنائية في المجتمع السوري، بل أصبحت جزءاً من المشهد الاقتصادي والاجتماعي الجديد. لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: هل ينظر المجتمع إلى دخل المرأة بوصفه دخلاً إضافياً، أم يعترف بأن هناك أسراً سورية كاملة أصبحت تعتمد عليه؟

فالمرأة التي تخرج صباحاً للعمل، ثم تعود إلى منزلها لتبدأ وردية ثانية من الرعاية والعمل المنزلي، لا تحمل فقط راتباً إلى بيتها؛ إنها تحمل في كثير من الحالات استمراره المعيلة الجديدة.. نساء يحملن اقتصاد أسر كاملة.

- Advertisement -

- Advertisement -