لكل السوريين

عصابات تستغل الأطفال في حلب.. سرقات متزايدة بأدوات صغيرة وشبكات خفية

السوري ـ حلب

تواجه مدينة حلب تصاعداً مقلقاً في ظاهرة استغلال الأطفال ضمن شبكات منظمة تنفذ عمليات سرقة ونشل في عدد من الأحياء والأسواق الشعبية، في وقت تتواصل فيه الجهود الحكومية لمعالجة قضايا التسول والتشرد عبر مراكز الإيواء والتأهيل.

وخلال الأشهر الأخيرة، سجلت المدينة ارتفاعاً في حوادث سرقة الحقائب والهواتف المحمولة والمقتنيات الخفيفة، إضافة إلى سرقة عدادات المياه وكابلات الإنترنت والطاقة الشمسية، وهي عمليات بات القاسم المشترك فيها اعتماد أطفال وقاصرين لتنفيذها مستفيدين من صغر سنهم وصعوبة ملاحقتهم.

ويؤكد سكان في عدد من أحياء حلب أن مجموعات من الأطفال تتجمع بشكل دائم قرب الأسواق المزدحمة والمحال التجارية، حيث تنفذ عمليات خطف للحقائب أو النشل مستغلة الازدحام وحركة المارة، قبل أن تختفي سريعاً داخل الأزقة القريبة.

وتقول السيدة تينا قره بيليان، وهي من سكان حي الميدان، إن الخوف من التعرض للسرقة بات هاجساً يومياً لدى كثير من النساء، خاصة في المناطق التجارية المكتظة، مشيرة إلى تعرض قريبتها لمحاولة سرقة حقيبتها أثناء دخولها سوق التلة، في وقت تمكنت فيه بصعوبة من حماية حقيبتها الشخصية.

وتضيف أن الأطفال الذين ينفذون هذه العمليات تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عاماً، وغالباً ما يتواجدون عند مداخل الأسواق، حيث يعرفهم أصحاب المحال بسبب تكرار حوادث السرقة المرتبطة بهم.

ولا تقتصر السرقات على الأسواق فقط، إذ امتدت إلى الأحياء السكنية أيضاً، بحسب ما يؤكده محمد حمادة، أحد سكان حي الأنصاري الشرقي، موضحاً أن بعض الأطفال يتسللون إلى الأبنية لسرقة كابلات الطاقة الشمسية أو عدادات المياه وكابلات الإنترنت والأمبيرات الكهربائية، وحتى بعض المقتنيات الموضوعة على الشرفات.

ويشير حمادة إلى أن الأهالي تمكنوا في إحدى المرات من ضبط طفل أثناء محاولته سرقة مصابيح درج أحد الأبنية، حيث اعترف بوجود أطفال آخرين يعملون بالطريقة ذاتها ضمن أحياء مختلفة، ما يعزز الشكوك حول وجود جهات تقوم بتنظيم هذه العمليات وتوزيع الأدوار بين الأطفال.

من جهتها، ترى الباحثة الاجتماعية سمر الحسن أن الأطفال المتورطين في هذه الأعمال هم ضحايا بالدرجة الأولى، معتبرة أن المسؤولية الحقيقية تقع على الأشخاص الذين يديرون هذه الشبكات ويستغلون الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة لتشغيل القاصرين مقابل مبالغ مالية بسيطة.

وتوضح أن كثيراً من الأطفال يتم تشغيلهم وفق نظام يومي، سواء في التسول أو السرقة أو أعمال أخرى مخالفة للقانون، مؤكدة أن معالجة الظاهرة تتطلب الوصول إلى الجهات التي تقف خلف تشغيلهم، بدلاً من الاكتفاء بمحاسبة الأطفال أنفسهم.

وفي الجانب القانوني، يوضح مختصون أن التشريعات السورية تتعامل مع القاصرين وفق نهج إصلاحي يراعي أعمارهم وظروفهم الاجتماعية، حيث تُحال هذه القضايا إلى محاكم الأحداث المختصة، مع اعتماد تدابير تربوية وإصلاحية تختلف عن العقوبات المفروضة على البالغين.

ويبين المحامي عمر بدلة أن القانون السوري يعفي الأطفال دون السابعة من المسؤولية الجزائية، بينما يخضع من هم دون الثانية عشرة لإجراءات إصلاحية كالمراقبة أو التسليم لذويهم، في حين تطبق عقوبات مخففة على الفئة العمرية الأكبر ضمن محاكم خاصة بالأحداث.

ويؤكد بدلة أن القانون يشدد في المقابل على محاسبة أي شخص بالغ يثبت تورطه في استغلال الأطفال أو دفعهم إلى ارتكاب الجرائم، باعتباره المسؤول الفعلي عن هذه الأفعال.

وفي ظل تزايد هذه الظاهرة، يحذر مختصون اجتماعيون من خطورة استمرار التسرب المدرسي واتساع دائرة الفقر، باعتبارهما من أبرز العوامل التي تدفع الأطفال إلى الشارع وتجعلهم عرضة للاستغلال من قبل شبكات منظمة تستفيد من هشاشتهم الاجتماعية والقانونية.

ومع استمرار المخاوف الشعبية من تنامي هذه الظاهرة، تبدو الحاجة ملحة إلى تنسيق أكبر بين الجهات الأمنية والاجتماعية والقضائية، ليس فقط لملاحقة مرتكبي السرقات، بل أيضاً لحماية الأطفال وإعادة دمجهم ضمن بيئة تعليمية واجتماعية سليمة تمنع تحولهم إلى أدوات بيد عصابات تستغل طفولتهم في أعمال مخالفة للقانون.

- Advertisement -

- Advertisement -