لكل السوريين

خطوات نحو التعافي… انتعاش الواقع الصحي في حمص وريفها

حمص/ بسام الحمد

في مدينة حمص وريفها، التي عانت لسنوات طويلة من تراجع واضح في الخدمات الصحية، بدأت ملامح انتعاش تدريجي تظهر في المشافي والمراكز الطبية، انعكست على حياة السكان وشعورهم بالأمان الصحي. هذا التحسن، وإن كان لا يزال غير مكتمل، أعاد شيئاً من الثقة لدى الأهالي بإمكانية الحصول على العلاج دون اضطرارهم للسفر أو تحمّل أعباء إضافية كانت تثقل كاهلهم في السنوات الماضية.

في مشفى حكومي وسط مدينة حمص، تجلس أم أحمد على كرسي الانتظار وهي تحمل ملف ابنها الطبي. تقول إن زيارتها هذه المرة مختلفة عن سابقاتها، فالمشفى أصبح أكثر تنظيماً، وعدد الأطباء المتواجدين ازداد، والأدوية الأساسية باتت متوفرة بشكل أفضل. تروي كيف كانت تضطر سابقاً للانتظار أياماً للحصول على موعد تصوير بسيط، بينما أُجري لابنها الفحص هذه المرة خلال ساعات. بالنسبة لها، هذا التحسن الصغير يعني الكثير، لأنه يخفف عنها القلق والضغط النفسي قبل أي شيء آخر.

في الريف الغربي لحمص، افتُتح مؤخراً مركز صحي أعيد تأهيله بعد سنوات من التوقف. أبو حسن، مزارع في الخمسين من عمره، يقول إن هذا المركز أعاد الحياة للقرية. يوضح أن أقرب نقطة طبية كانت تبعد مسافة طويلة، وكان الوصول إليها صعباً خاصة لكبار السن والنساء. اليوم، بات بإمكانه إجراء الفحوصات الدورية وتلقي العلاج الأولي دون مغادرة قريته. يؤكد أن وجود طبيب وممرضين بشكل دائم أعاد شعور الطمأنينة، خصوصاً في الحالات الطارئة.

التحسن لم يقتصر على البنية التحتية، بل شمل الكوادر الطبية أيضاً. رنا، ممرضة شابة عادت للعمل في حمص بعد سنوات من الغياب، تقول إن الدافع الأساسي لعودتها كان شعورها بأن القطاع الصحي بدأ يستعيد عافيته. تشرح أن ظروف العمل أصبحت أفضل نسبياً، وأن هناك اهتمامًا أكبر بتوزيع الكوادر وتأمين المستلزمات الأساسية. تضيف أن المرضى أنفسهم باتوا يلاحظون الفرق، ويتعاملون مع الطواقم الطبية بثقة واحترام أكبر.

في أحد الأحياء الشعبية، يروي أبو طارق، وهو مصاب بمرض مزمن، كيف تغيّرت تجربته مع العلاج. يقول إن متابعة حالته كانت مرهقة سابقاً بسبب نقص الأدوية وتأجيل المواعيد. أما اليوم، فقد أصبح يحصل على علاجه بانتظام من المركز الصحي القريب، ويشعر بأن حالته مستقرة لأول مرة منذ سنوات. يضيف أن هذا الاستقرار انعكس على حياته اليومية، وجعله أكثر قدرة على العمل والاندماج في المجتمع.

في ريف حمص الشرقي، حيث المسافات طويلة والقرى متباعدة، شكّل تفعيل العيادات الجوالة خطوة مهمة. فاطمة، أم لثلاثة أطفال، تقول إن زيارة الفريق الطبي لقريتهم مرة كل أسبوعين أحدثت فرقاً كبيراً. تشرح أن أطفالها حصلوا على اللقاحات في وقتها، وأنها تلقت إرشادات صحية لم تكن متاحة من قبل. بالنسبة لها، هذا التواصل المباشر مع الكادر الطبي منحها شعوراً بأن الريف لم يعد منسيًا.

الأطباء بدورهم يلمسون هذا التغير. الدكتور سامر، طبيب داخلي يعمل في أحد مشافي حمص، يقول إن الضغط ما زال كبيراً، لكن الإمكانيات تحسنت مقارنة بالسنوات الماضية. يوضح أن توفر بعض الأجهزة التشخيصية والأدوية الأساسية ساعدهم على تقديم خدمة أفضل، وتقليل تحويل المرضى إلى محافظات أخرى. ويؤكد أن أي تحسن في القطاع الصحي ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع ككل.

في الأسواق والشوارع، بات الحديث عن الصحة أقل تشاؤماً. كثيرون يتحدثون عن تجارب إيجابية حديثة، وعن تحسن في التعامل وسرعة الاستجابة. أم لينا، معلمة مدرسة، تقول إن الاطمئنان الصحي انعكس حتى على نفسية الناس، فقلّ الخوف من المرض، وزادت المبادرات للاهتمام بالصحة العامة، كالفحوصات الدورية والتلقيح.

ورغم هذا الانتعاش، يدرك الجميع أن الطريق ما يزال طويلاً. فالتحديات قائمة، من نقص بعض الاختصاصات إلى ارتفاع تكاليف العلاج في القطاع الخاص. لكن ما يميز هذه المرحلة، بحسب كثير من الأهالي، هو عودة الأمل. فبعد سنوات من المعاناة، بات هناك إحساس بأن الواقع الصحي في حمص وريفها يسير نحو التعافي، خطوة بعد خطوة.

هذا الانتعاش، وإن كان هشاً، أعاد للناس شعوراً أساسياً بالأمان، ورسّخ قناعة بأن الصحة ليست مجرد خدمة، بل أساس للحياة والاستقرار. وبين مشفى يستعيد نشاطه، ومركز صحي يُفتح من جديد، وقصة مريض يجد علاجه قريباً منه، تتشكل صورة جديدة لحمص، مدينة تحاول أن تداوي جراحها، وتستعيد عافيتها بهدوء وصبر.

- Advertisement -

- Advertisement -