لكل السوريين

قطع الأشجار الجائر في درعا يهدّد البيئة والمعيشة ويغضب السكان

درعا/ رجاء مختار

تواجه محافظة درعا في جنوب سوريا ظاهرة متفاقمة تتمثّل في قطع الأشجار الجائر، وهي ظاهرة باتت تهدّد البيئة بشكل مباشر، وتقلّص المساحات الخضراء، وتنعكس سلباً على حياة السكان وسبل عيشهم. فما كان يوماً غطاءً أخضر يميّز سهول وجبال حوران، أصبح اليوم مشهداً قاحلاً في كثير من المناطق، حيث تحوّلت الأشجار من رمز للحياة والاستقرار إلى حطب للتدفئة أو سلعة في سوق سوداء مفتوحة.

لطالما اشتهرت درعا بأشجار الزيتون والتين واللوز، إضافة إلى الأحراج الطبيعية التي كانت تحيط بالقرى والبلدات وتوفّر توازناً بيئياً مهماً. غير أن سنوات النزاع وما رافقها من فقر وبطالة وارتفاع حاد في أسعار المحروقات، دفعت شريحة واسعة من السكان إلى الاعتماد على الحطب كمصدر أساسي للتدفئة والطهي، خاصة في فصل الشتاء. ومع غياب البدائل، أصبح قطع الأشجار خياراً قسرياً لدى البعض، بينما تحوّل لدى آخرين إلى تجارة مربحة لا تخلو من الاستغلال.

يقول أبو صالح، وهو مزارع خمسيني من ريف درعا الشمالي، إن قرار قطع أشجار الزيتون في أرضه لم يكن سهلاً. يروي قصته قائلاً: «هذه الأشجار زرعها والدي قبل عشرات السنين، وكانت مصدر رزقنا الوحيد. لكن في السنوات الأخيرة، لم نعد قادرين على تحمل تكاليف السماد أو الري، ولا حتى تأمين الوقود للتدفئة. اضطررت إلى قطع عدد كبير منها وبيعها كحطب كي أؤمّن احتياجات عائلتي». ويضيف بحسرة: «كل شجرة قطعتها شعرت وكأنني أقطع جزءاً من ذاكرتي».

ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على المزارعين وحدهم، بل تطال المجتمع ككل. أم فجر، وهي ربة منزل من ريف درعا الغربي، تتحدث عن تغيّر واضح في بيئة قريتها. تقول: «كنا نعيش وسط الخضرة، وكان الهواء ألطف في الصيف، أما اليوم فقد اختفت الأشجار من محيط البيوت، وأصبح الغبار يملأ المكان، والحرارة أشد قسوة». وتؤكد أن الأطفال باتوا يعانون من أمراض تنفسية أكثر من السابق، نتيجة تقلّص الغطاء النباتي وزيادة التصحّر.

ويشير متابعون للشأن البيئي إلى أن قطع الأشجار الجائر لا يقتصر على الاستخدام الفردي، بل تعدّاه إلى نشاط منظم تقوم به مجموعات تقوم بقطع كميات كبيرة من الأشجار ونقلها بشاحنات إلى أسواق بيع الحطب داخل المحافظة وخارجها. حسين، شاب من بلدة مزيريب، يقول إنه شاهد بنفسه عمليات قطع واسعة في إحدى المناطق الحرجية القريبة. يوضح: «ما يجري ليس مجرد تحطيب لتدفئة البيوت، بل تجارة حقيقية. أشخاص يقطعون عشرات الأشجار في ليلة واحدة، ولا أحد يجرؤ على إيقافهم».

هذا الاستنزاف المتواصل للغابات والأشجار المثمرة يخلّف آثاراً بيئية خطيرة، أبرزها تآكل التربة، وزيادة احتمالية السيول، وتراجع التنوع الحيوي. كما يؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي، إذ تفقد الأراضي الزراعية دور الأشجار في حمايتها من الرياح والجفاف. ويؤكد مختصون أن تعويض شجرة معمّرة واحدة قد يحتاج إلى عشرات السنين، ما يجعل الخسارة طويلة الأمد وغير قابلة للإصلاح السريع.

وعلى الرغم من خطورة الوضع، تبدو الجهود الرسمية والمجتمعية محدودة، في ظل ضعف الإمكانيات وقلة الموارد. فعمليات التشجير إن وُجدت، تبقى رمزية مقارنة بحجم الدمار الحاصل. كما أن القوانين التي تجرّم قطع الأشجار لا تُطبّق بصرامة، إما بسبب ضعف الرقابة أو خوف الأهالي من الصدام مع المتنفذين. هذا الواقع يخلق شعوراً عاماً بالإحباط، ويجعل كثيرين يعتقدون أن حماية البيئة ترف لا يمكن التفكير به في زمن الأزمات.

مع ذلك، لا يخلو المشهد من محاولات فردية تبعث على الأمل. فقد ظهرت مبادرات شبابية تطوعية في بعض القرى تهدف إلى توعية السكان بأهمية الحفاظ على الأشجار، وتشجيع زراعة الشتول أمام المنازل وفي الأراضي المهملة. كما يدعو ناشطون إلى دعم مشاريع بديلة للطاقة، مثل الألواح الشمسية أو المواقد الموفّرة، لتقليل الاعتماد على الحطب والتخفيف من الضغط على الغطاء الأخضر.

وتعكس ظاهرة قطع الأشجار الجائر في درعا صورة مكثّفة عن حجم المعاناة التي يعيشها السكان، حيث تتقاطع الحاجة الاقتصادية مع الإهمال البيئي لتنتج أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات القائمة. وبين فأس يرفع بدافع الحاجة، وآخر يرفع بدافع الربح، يبقى الغطاء الأخضر الخاسر الأكبر. إن إنقاذ ما تبقّى من أشجار درعا يتطلّب جهداً جماعياً، وإدراكاً بأن حماية البيئة ليست قضية مؤجلة، بل شرط أساسي لبقاء الإنسان نفسه في هذه الأرض.

- Advertisement -

- Advertisement -