حمص/ بسام الحمد
في شوارع حمص القديمة، حيث تختلط الحياة اليومية بصوت سيارات الإسعاف وصرخات الأطفال، يعيش مرضى السرطان واقعاً مؤلماً، تكاد كلمات الوصف تعجز عن نقله. بين نقص الأدوية، وتأخر العلاجات، والضغوط النفسية والاجتماعية، يتحول المرض إلى صراع مزدوج: صراع الجسد وصراع الروح.
هدى، شابة في الثلاثين من عمرها، اكتشفت إصابتها بسرطان الرحم قبل نحو عام. تقول بصوت خافت: “كل يوم يمر، وأجد صعوبة في الحصول على العلاج. الأدوية نادرة، والأسعار باهظة. أحياناً أشعر أن المرض أكبر مني، وأن الحياة أصبحت مجرد انتظار للجرعات القادمة.” قصتها تعكس مأساة آلاف المرضى في المدينة الذين يواجهون نفس التحديات اليومية.
في مستشفى حمص الوطني، يوضح الدكتور سامر، اختصاصي الأورام، أن “نقص الأدوية الأساسية والإشراف الطبي المتخصص يمثل تحدياً كبيراً. كثير من المرضى يضطرون لتأجيل جلسات العلاج الكيميائي، مما يفاقم حالتهم الصحية ويزيد من خطر انتشار المرض”.
يعيش علي، شاب في الثانية والعشرين، معاناة إضافية؛ فقد أصيب بسرطان الدم منذ سنتين. يقول: “أحياناً أضطر للسفر إلى دمشق أو اللاذقية للحصول على بعض الفحوصات أو العلاجات، لكن السفر مكلف جدّاً، وأنا لا أملك الموارد اللازمة. في بعض الأحيان، نتناوب على الأدوية مع مرضى آخرين إذا لم تكن كافية للجميع”.
المعاناة لا تقتصر على الجانب الطبي فقط. يقول عبد الله، والد علي: “المرض يجعل الحياة كلها معقدة. الجيران والأصدقاء يتجنبون الحديث عن المرض، وأحياناً أشعر أن ابني يقاتل بمفرده، حتى ونحن بجواره”.
الأبعاد النفسية للمرض لا تقل أهمية عن الجوانب الطبية، حسب نهى، ممرضة في قسم الأورام. تقول: “الكثير من المرضى يدخلون في حالة اكتئاب حاد. نحن نحاول تقديم الدعم النفسي، لكن الإمكانيات محدودة، ولا توجد برامج منظمة للتعامل مع هذه الحالات”.
على الرغم من التحديات، لا تزال هناك بصيص من الأمل. فهد، رجل خمسيني مصاب بسرطان القولون، يروي: “العلاج صعب، لكن الدعم النفسي من عائلتي وأصدقائي يساعدني على الاستمرار. كل يوم أستيقظ على أمل جديد، وأحاول أن أكون أقوى”.
وتشير التقارير المحلية إلى أن نسبة توفر الأدوية لعلاج السرطان في حمص لا تتجاوز 40٪، بينما يعتمد الباقون على الجمعيات الخيرية أو التبرعات الشخصية. هذا الواقع يزيد من معاناة المرضى ويجعلهم يعيشون حالة مستمرة من القلق والخوف من الانتكاس أو تفاقم المرض.
القصص التي ترويها الأسر والمرضى تؤكد أن المعاناة اليومية لمرضى السرطان في حمص تتجاوز الألم الجسدي لتصل إلى أبعاد اجتماعية ونفسية واقتصادية صعبة. ومن أجل مواجهة هذه الأزمة، يحتاج المرضى إلى دعم أكبر من المنظمات الإنسانية، وتحسين الخدمات الطبية وتوفير الأدوية بشكل منتظم، مع إنشاء برامج دعم نفسي واجتماعي متكاملة.
ومع كل يوم جديد، يثبت مرضى السرطان في حمص صمودهم في وجه التحديات، مستمدين قوتهم من الأمل، رغم كل الصعوبات. فهنا، في قلب سوريا، تتحول رحلة المرض إلى معركة مستمرة للبقاء على قيد الحياة، بين ألم لا يهدأ وأمل لا ينطفئ.