لكل السوريين

سياسي سوري: للإدارة الذاتية موقف ودور محوري في بناء السلام المستدام

حاوره/ مجد محمد

يرى خليل خيربك أنّ مستقبل سوريا لا يمكن أن يصاغ إلا بإرادة السوريين أنفسهم، وأن طاولة الحوار تبقى الخيار الأكثر واقعية مقارنة بساحة الحرب، وأن تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا قدّمت نموذجاً مهماً يمكن أن يستفيد منه السوريون في بناء حل سياسي مستدام، لأنها ركزت على مبادئ الديمقراطية واللامركزية واحترام التنوّع.

وبرغم التحديات، يعتقد خيربك أنّ الاستفادة من تجربة الإدارة الذاتية قد تشكل ركيزة أساسية في مشروع إعادة بناء سوريا على أسس جديدة تعترف بحقوق كل المكوّنات.

وفي ظل الأزمات المتلاحقة، أجرت صحيفة السوري هذا الحوار المطوّل مع خليل خيربك، عضو الحزب الوطني التقدمي، حيث تحدث باستفاضة عن رؤيته للحل السياسي ودور التجارب المحلية، وفي مقدمتها تجربة الإدارة الذاتية.

‏بداية، كيف تصفون موقف الإدارة الذاتية من الحل السياسي في سوريا؟

الإدارة الذاتية تبنت منذ البداية مساراً واضحاً يقوم على الحل السياسي الشامل المبني على حقوق جميع المكونات. وأعتقد أن هذا الموقف واقعي ويجب البناء عليه، وأن ما تقدمه الإدارة الذاتية من نموذج للحوكمة المحلية في ظروف معقدة يستحق أن يؤخذ بجدية عند البحث عن مستقبل سوريا، لأنه يقوم على مبادئ الديمقراطية والمساواة واحترام التنوّع.

‏كيف ترى الإدارة الذاتية دورها في أي مفاوضات سياسية قد تجرى في المستقبل؟

لا يمكن لأي مفاوضات سياسية قادمة أن تتجاهل وجود تجربة ناجحة نسبياً مثل تجربة الإدارة الذاتية، ليس لأنها طرف سياسي فقط، بل لأن لديها نموذجاً عملياً في الحكم يمكن أن يُستفاد منه.

العملية السياسية تحتاج إلى كل التجارب الواقعية، وتجاهل نموذج أثبت نفسه خطأ كبير، مشاركة الإدارة الذاتية تضيف للملف السوري أكثر مما تأخذ.

‏هل لازالت الإدارة الذاتية تتفاوض مع الحكومة السورية الانتقالية؟ وهل يمكن أن تشارك في أي حكومة مستقبلية؟

أنا أعتقد أن الحوار بين أي أطراف سورية، بما فيها الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية، ضروري ومفيد. لا يمكن بناء حل سياسي من دون حوار.

لكن رأيي أنّ أي مشاركة في حكومة مستقبلية يجب أن تستند إلى مبدأ واضح: ضرورة الاعتراف بالتجارب المحلية الناجحة، وفي مقدمتها تجربة الإدارة الذاتية، إضافة إلى أن تجاهل هذا النموذج سيُفشل أي مشروع وطني مقبل.

‏كيف تقيّم تعامل الإدارة الذاتية مع الواقع الذي تفرضه الحكومة السورية الانتقالية في بعض المناطق؟

الإدارة الذاتية استطاعت، رغم التحديات، أن تحافظ على نموذج سياسي وإداري له خصوصيته، وهذا أمر يجب احترامه.

الحكومة الانتقالية تحاول فرض رؤيتها، لكن الواقع السوري مختلف ومعقّد.

وأعتقد أن الاعتراف بتعدّد النماذج داخل سوريا سيفتح الباب لتسوية سياسية أكثر عدالة وتوازناً، تجربة الإدارة الذاتية مثال بارز على ذلك.

كيف يمكن للإدارة الذاتية أن تساهم في إيجاد تسوية سياسية مع فصائل المعارضة التي أصبحت جزءاً من الحكومة؟

برأيي، المشهد الحالي معقد جداً، لأن كثيرًا من الأطراف التي كانت محسوبة على المعارضة باتت اليوم أقرب إلى الحكومة الانتقالية، سواء من خلال الاندماج فيها أو التنسيق معها. وهذا يجعل تمثيلها لإرادة السوريين موضع شك. أعتقد أن أي حل سياسي لا بد أن يشمل الجميع، لكن بشروط تضمن أن مصالح السوريين الحقيقية ستكون أولوية في أي عملية تفاوض.

ما هي أبرز القضايا التي ترون ضرورة التفاوض حولها مع الحكومة الانتقالية؟

هناك ملفات لا يمكن تجاوزها، أهمها تثبيت الحقوق السياسية والإدارية لجميع المكونات، والوصول إلى صيغة واضحة للامركزية تمنح كل منطقة القدرة على إدارة شؤونها، إضافة إلى ملف الأمن وضرورة وقف كل أشكال العنف، وأيضاً موضوع إعادة الإعمار الذي يجب أن يرتبط بأي تسوية سياسية جادة.

كيف تقيمون دور القوى الدولية في المفاوضات السياسية المستقبلية؟

الدور الدولي مؤثر بلا شك، لكنه يجب ألا يتحول إلى وصاية، والحل ينبغي أن يكون سورياً أولاً، رغم أن الواقع يفرض تدخلات إقليمية ودولية متعددة. المهم أن يتحول هذا الدور الخارجي إلى عامل يدفع نحو التهدئة والحوار، لا إلى فرض حلول جاهزة.

ما هو الدور الذي تلعبه المرأة في مناطق الإدارة الذاتية؟ وكيف يمكن ضمان مشاركتها في العملية السياسية المستقبلية؟

أصبحت المرأة اليوم أحد الأعمدة الأساسية في البنية السياسية والإدارية لمناطق الإدارة الذاتية، إذ تشغل مواقع قيادية وتشارك في صنع القرارات اليومية وفي وضع السياسات العامة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة جهود طويلة للتأكيد على حقوق المرأة ومكانتها، وترسيخ مبدأ المشاركة المتساوية داخل المؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن أي عملية سياسية مستقبلية في سوريا ستكون منقوصة إذا لم تتضمّن آليات واضحة ومُلزِمة لضمان مشاركة النساء بشكل فعلي، لا شكلي، عبر تمثيل مؤسسي قادر على التأثير في مسار القرار.

هل هناك قضايا مشتركة مع الحكومة الانتقالية قد تشكّل أساساً لتوافق سياسي؟

هناك بالفعل نقاط مشتركة يمكن البناء عليها، أبرزها الاتفاق على وحدة الأراضي السورية ورفض مشاريع التقسيم أو التفتيت. ومع ذلك، تبقى هذه نقاط أولية لا يمكن أن تشكل أساساً متيناً وحدها. فالتوافق الحقيقي يتطلب احتراماً كاملاً لحق السوريين في تقرير مصيرهم، وفي المشاركة المتكافئة في رسم مستقبل دولتهم. من دون ذلك سيظل أي اتفاق سياسياً أقرب إلى تفاهمات مؤقتة منه إلى تسوية راسخة.

كيف تنظرون إلى الحلول العسكرية التي تتبناها الحكومة الانتقالية أو بعض الفصائل؟

برأيي، التجارب أثبتت أن الحلول العسكرية عاجزة عن تحقيق استقرار حقيقي، بل إنها غالباً ما تعمّق الانقسام وتطيل أمد الصراع. العنف يفتح الباب أمام التطرف ويقوّض فرص الحوار، بينما يظل الطريق الأكثر واقعية وفعالية هو التوجه نحو حل سياسي قائم على المفاوضات والتسويات التدريجية. فكل جولة جديدة من القتال تزيد الكلفة الإنسانية وتبعد الجميع عن إمكانية العودة إلى مسار موحد.

كيف ترون التعامل مع التهديدات العسكرية التركية المستمرة؟

التهديدات التركية ليست جديدة، لكنها أصبحت عاملاً يزيد المشهد السوري تعقيداً وتداخلاً. ورغم ذلك، يبقى التمسك بالمسار السياسي وبالجهود الدبلوماسية لخفض التوتر هو الخيار الأكثر عقلانية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل ضرورة حماية المناطق المحلية وضمان أمن السكان، لأن الاستقرار الأمني شرط أساسي لأي تقدم سياسي أو تنموي.

ما هي الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشعب السوري؟

أؤمن بأن السلام والعدالة ما يزالان هدفين قابلين للتحقق، مهما بدا الطريق إليهما صعباً. الوصول إلى ذلك يحتاج إلى تعاون حقيقي وتجاوز الانقسامات التي أثقلت السوريين. المطلوب هو بناء ثقة جديدة بين مختلف المكونات، والتمسك برؤية تقوم على المساواة والحقوق، بحيث يشعر كل مواطن أنه شريك في الوطن لا تابعاً أو مهمشاً.

هل يمكن للانتخابات السورية المقبلة أن تكون خطوة نحو حل سياسي؟

الانتخابات يمكن أن تشكل محطة مهمة إذا جاءت ضمن إطار تفاهمات سياسية واضحة، وضمانات حقيقية للنزاهة والشمول واحترام حقوق جميع الأطراف. أما إذا جرت من دون هذه الشروط فهي ستتحول إلى إجراء شكلي لا يغيّر شيئاً في الواقع، ولن تُسهم في دفع العملية السياسية قُدماً.

كيف تتصورون مستقبل سوريا إذا استمر نهج الحكومة دون تغيير؟

استمرار النهج الحالي سيجعل مسار المستقبل أكثر صعوبة وتعقيداً، لكنه لن يلغي قدرة السوريين على فرض التغيير عندما تتوفر الإرادة الجماعية. الطريق نحو مستقبل أفضل يمر عبر إصلاحات حقيقية، وبناء دولة عادلة تعترف بحق المجتمعات في إدارة شؤونها وتحترم تطلعات الناس للحرية والكرامة والاستقرار.

- Advertisement -

- Advertisement -