رغم الزخم السياسي الذي رافق صعود الحكومة الانتقالية في سوريا ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى مركز الثقل الدبلوماسي في واشنطن، فإن الطريق نحو علاقة أميركية–سورية مستقرة لا يزال محفوفاً بعوامل معقدة، يأتي في مقدمتها الدور الإسرائيلي وتحركاته داخل الأراضي السورية.
فإسرائيل، بعملياتها العسكرية المتكررة وتمسكها بمرتفعات الجولان، لا تكتفي بوضع خطوط حمراء أمنية، بل تبدو وكأنها تُحدث تشويشاً مباشراً على أي مشروع أميركي يرمي إلى تثبيت النظام الجديد وإعادة دمج سوريا في محيطها.
شبكة التحالفات الإقليمية: قوة دعم… ونقاط ضعف
من الواضح أن الشرع استطاع، في أشهر قليلة، بناء مجموعة متشابكة من التحالفات الإقليمية والدولية، وقد مثّلت زيارته للبيت الأبيض اعترافاً واضحاً باستعداده لقيادة مرحلة ما بعد الصراع. ومع ذلك، ورغم ما يقدّمه هذا الاعتراف من دفعة معنوية للنظام الانتقالي، فإن نجاحه الفعلي ما زال مرهوناً بقدرته على الموازنة بين مصالح واشنطن وشركائها، وبين الوقائع الأمنية التي تفرضها إسرائيل.
فالمساندة التركية – سواء بحماية مناطق في الشمال سابقاً أو بتقديم دعم لوجستي وعسكري – أعطت الشرع ركائز ميدانية لا يمكن الاستهانة بها. كما وفّرت قطر شبكة دعم سياسي فاعلة، فيما أضفت السعودية ثقلاً استراتيجياً عبر الدفع باتجاه تقديم الغطاء الاقتصادي والدبلوماسي للمرحلة الانتقالية.
لكن هذه التحالفات، على قوتها، ليست خالية من التعقيد. فدعم كل دولة منها مشروط بحساباتها الخاصة، وهو ما يضع الحكومة الانتقالية أمام تحدي صياغة سياسة خارجية متّزنة لا تتحول فيها سوريا إلى ساحة توازن هشّ بين القوى الإقليمية.
الأردن بدوره يقدّم دعماً محسوباً، لا يخرج عادة عن إطار حذره التقليدي. وهو دعم مفيد، لكنه لا يكفي لإزالة الهواجس الأمنية الجنوبية، خصوصاً مع استمرار النشاط الإسرائيلي.
الدعم الدولي… مقابل القيد الإسرائيلي
يمنح وجود الشرع ضمن التحالف الدولي ضد الإرهاب شرعية سياسية مهمة، كما يفتح الباب أمام استثمارات وانخراط غربي متزايد. لكن الشرع يجد نفسه أيضاً مقيداً بواقع لا يمكن تجاوزه: فإسرائيل تبقى اللاعب الوحيد القادر على خلط الأوراق بسرعة، دون أن تضطر إلى التنسيق مع واشنطن أو غيرها، بحكم معادلة «الأمن فوق كل شيء» التي تتبناها منذ عقود.
الضربات الإسرائيلية على مواقع داخل سوريا – سواء بذريعة حماية الحدود، أو مراقبة النفوذ الإيراني السابق، أو حماية الأقليات – تولّد حالة توتر دائم لا تمنح الحكومة الانتقالية فرصة مستقرة لبناء رؤية أمنية مستقلة. وهنا بالتحديد يظهر التناقض: فبينما تحاول واشنطن إعادة سوريا إلى موقع فاعل في الإقليم، تفرض إسرائيل واقعاً ميدانياً لا يخدم هذه الرؤية دائماً.
الشرع بين الاحتواء الإقليمي والضغط الإسرائيلي
برغم النجاحات الدبلوماسية التي حققها الشرع، فإن قدرته على المناورة تظل محدودة. فهو يحاول تثبيت السلطة المركزية وتجنّب الانجراف نحو سياسة المحاور، وفي الوقت ذاته يسعى إلى إدارة ملفات داخلية حساسة، مثل التوترات في الجنوب والاشتباكات ذات الطابع المحلي في السويداء، أو إعادة ضبط العلاقة مع فصائل في الشمال.
وتساعده التحالفات الإقليمية في امتصاص جزء من هذه التحديات، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إدارة دقيقة للواقع الأمني الذي تفرضه إسرائيل. فكل خطوة تتخذها الحكومة الانتقالية – سواء تتعلق بإعادة الإعمار أو بترتيب علاقة سوريا بالتحالف الدولي – قد تتقاطع مع حسابات تل أبيب، ما يجعل الشرع أمام اختبار مستمر في ضبط إيقاع سياساته.
اقتصاد منهك… ومهمة إعادة بناء شرعية الدولة
يدرك الشرع أن معركة الشرعية الداخلية لا تُحسم بالسياسة وحدها، وإنما بقدرة الحكومة الانتقالية على تحقيق نتائج ملموسة في إعادة الإعمار وتحسين الوضع المعيشي. فدمار البنية التحتية، وتراجع النظام المصرفي، وانتشار البطالة، كلها عوامل تضغط بشدة على أي مشروع سياسي جديد.
وهنا تأتي أهمية الدعم السعودي والقطري والتركي، بالإضافة إلى الغطاء الأميركي–الأوروبي الذي يمنح البيئة الاستثمارية قدراً من الاستقرار. هذه الاستثمارات ليست مجرد مشاريع اقتصادية؛ إنها أدوات لإعادة بناء الدولة نفسها ولتعزيز الثقة الشعبية.
لكن هذا التقدم الاقتصادي يبقى بدوره هشّاً ما لم ينجح الشرع في تجنّب التصادم غير المباشر بين واشنطن وتل أبيب داخل الساحة السورية.
التوازن الدقيق: مفتاح نجاح العلاقة الأميركية–السورية
في النهاية، تبدو العلاقة الأميركية–السورية الجديدة مرهونة بقدرة الحكومة الانتقالية على إدارة هذا المشهد المعقّد. فبين تحالفات قوية، لكنها متباينة المصالح، وبين حضور إسرائيلي قادر على تعطيل أي مبادرة، يجد الشرع نفسه أمام تحدٍّ مضاعف: حماية مكتسباته الخارجية، وبناء استقرار داخلي، وفي الوقت نفسه التعامل مع لاعب إقليمي يملك مفاتيح الضغط في الجنوب السوري.
إن نجاح المرحلة الانتقالية لن يُقاس بمدى الدعم الدولي وحده، بل بمدى قدرة القيادة السورية الجديدة على حماية مسارها من التوترات التي تخلقها إسرائيل، وعلى تحويل الدعم الإقليمي والدولي إلى نتائج ملموسة تُعيد سوريا فعلياً إلى موقع الفاعل الإقليمي، لا الساحة التي تتقاطع فوقها المصالح.