لكل السوريين

محمود سلطان… الهداف الذهبي وواحد من أعمدة الكرة الحلبية في السبعينات

يُعدّ محمود سلطان واحداً من أبرز نجوم كرة القدم السورية في سبعينات القرن الماضي، ومن ألمع هدّافي الدوري السوري الذين تركوا بصمة لا تُنسى في تاريخ اللعبة، خاصة في مدينة حلب، التي أنجبت على مرّ العقود نخبة من أفضل اللاعبين في تاريخ الكرة السورية.

كان محمود سلطان نموذجاً للمهاجم الفعّال الذي يجمع بين القوة البدنية والمرونة الذهنية والرشاقة في الحركة. امتلك حسّاً تهديفياً فطرياً، وقدرة استثنائية على اقتناص الفرص أمام المرمى دون الحاجة إلى التحامات مباشرة مع المدافعين، إذ كان يقرأ مجريات اللعب ببراعة، ويتواجد دائماً في المكان والزمان المناسبين لتسجيل الأهداف.

وقد اشتهر سلطان بقدرته الكبيرة على التسجيل بالرأس، حتى أُطلق عليه لقب “صاحب الرأس الذهبي”، وهو لقب لازمه طوال مسيرته وأصبح جزءاً من هويته الكروية.

البدايات في أحياء حلب الشعبية

وُلِد محمود سلطان في مدينة حلب عام 1952، وبدأ مسيرته الكروية في سن مبكرة ضمن فرق الأحياء الشعبية، حيث كانت ملاعب التراب والشغف وحدهما كفيلين بصقل المواهب الحقيقية.

كانت انطلاقته الأولى مع فريق المجد الشعبي عام 1965، إلى جانب عدد من اللاعبين الذين أصبحوا لاحقاً من أعمدة الكرة الحلبية مثل: محمد ختّام، جمعة الراشد، والحارس معروف كسكسوني.

وكانت تدريباتهم تُقام في ملعب مدرسة أبي عبيدة بن الجراح في حي المستدامية، وهو المكان الذي شهد البدايات الأولى لموهبته اللافتة في التهديف.

الانطلاقة مع نادي الاتحاد الحلبي

انضم محمود سلطان إلى صفوف نادي الاتحاد الحلبي في سن مبكرة، وتدرج في فئاته العمرية حتى وصل إلى فريق الرجال عام 1969 وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره.

هناك، وجد نفسه بين نخبة من نجوم الكرة السورية البارزين آنذاك، مثل وائل عقاد، محمد هواش، عبد الملك حزام، عمر كيّال، فاتح زكي وغيرهم.

وخلال فترة قصيرة، أثبت حضوره المميز كمهاجم من الطراز الرفيع، وتمكّن من حجز مكانه في التشكيلة الأساسية بفضل حسّه التهديفي العالي وقدرته على حسم المباريات.

ألقاب وبطولات خالدة

ساهم سلطان في تحقيق نادي الاتحاد بطولة الجمهورية موسم 1973، وكان له دور حاسم في إحراز اللقب بعدما سجل هدف الفوز في المباراة النهائية، ليثبت أنه أحد أهم ركائز الفريق في تلك المرحلة.

واصل الاتحاد بعدها تألقه، وتمكّن في موسم 1976 من الفوز ببطولة الدوري السوري دون أي خسارة، وبفارق كبير بلغ 12 نقطة عن أقرب المنافسين، وهو إنجاز غير مسبوق آنذاك.

في ذلك الموسم تحديداً، قدّم محمود سلطان أداءً استثنائياً جعله يتصدر قائمة هدّافي الدوري برصيد 25 هدفاً، وهو رقم قياسي في تلك الحقبة. ولم يخلُ مرمى أي نادٍ من بصمته سوى نادي الحرية الذي غاب عن مواجهته في الذهاب والإياب.

كما يُسجَّل له أنه حقق رقماً تاريخياً عندما سجل ثمانية أهداف كاملة في مباراة واحدة أمام نادي النصر من القنيطرة، في إنجاز لم يُكسر حتى اليوم.

الانتقال إلى الشرطة المركزي

بعد سلسلة النجاحات مع نادي الاتحاد، انتقل محمود سلطان برفقة مجموعة من نجوم الفريق، بقيادة المدرب زكي ناطور، إلى نادي الشرطة المركزي في دمشق، ليشكلوا عماد الفريق الجديد.

واصل هناك تألقه، وساهم في تحقيق بطولات بارزة للنادي، وتمكّن في مرحلة الذهاب من تسجيل 14 هدفاً، إلا أن الإصابات المتكررة منعته من المشاركة في أغلب مباريات الإياب، ما أثر على حصيلته التهديفية.

محطته مع المنتخب الوطني السوري

رغم أن تمثيل المنتخب السوري في تلك الحقبة كان حكراً على لاعبي ناديي الجيش والشرطة، إلا أن موهبة محمود سلطان أجبرَت القائمين على المنتخب على استدعائه من خارج هذين الناديين عام 1972، في خطوة كانت مفاجئة وغير مسبوقة حينها.

وقد أثبت أحقيته بهذا الاستدعاء بفضل أدائه المميز، حيث شارك في عدد كبير من الدورات العربية والقارية، إلى جانب التصفيات الأولمبية والآسيوية والمباريات الودية الدولية.

ومن أبرز محطاته مع المنتخب تلك المباراة الكرنفالية أمام منتخب تونس العائد من كأس العالم 1978، والتي فاز فيها المنتخب السوري 2-1، وكان سلطان أحد نجوم اللقاء.

الإصابات والاعتزال والعودة

كحال كثير من نجوم تلك الحقبة، لم تخلُ مسيرة محمود سلطان من المعاناة مع الإصابات، التي تكررت بشكل متزايد وأجبرته في نهاية المطاف على إعلان اعتزاله عام 1980.

لكن شغفه باللعبة وولاءه للنادي دفعاه للعودة من جديد، فقاد فريقه للفوز ببطولة كأس الجمهورية عام 1982، ثم كرّر الإنجاز ذاته عام 1984، ليختتم مسيرته بألقاب مستحقة وأهداف لا تُنسى.

الإرث الكروي والاعتراف الجماهيري

يُعتبر محمود سلطان من أكثر المهاجمين إنتاجاً في تاريخ الكرة السورية، إذ حقق نسب تسجيل قياسية لم يصل إليها أحد في ذلك الزمن. وقد نال احترام الجماهير والمعلقين الرياضيين داخل سورية وخارجها، حتى إن المعلق المصري الشهير الكابتن لطيف أطلق عليه لقب “صاحب الرأس الذهبي” بعد هدف رائع سجله في مرمى نادي الزمالك المصري في مباراة ودية memorable.

ترك محمود سلطان وراءه إرثاً رياضياً مشرقاً، وذكريات جميلة لدى عشاق نادي الاتحاد والكرة الحلبية عامة، وبقي اسمه محفوراً في ذاكرة كل من تابع تلك المرحلة الذهبية من تاريخ الكرة السورية.

- Advertisement -

- Advertisement -