لكل السوريين

دواء دمشق بين الغلاء والتفاوت.. رحلة معاناة الأهالي اليومية

دمشق/ مرجانة إسماعيل

في شارع الحريقة بدمشق، كانت أمينة تقف أمام صيدلية صغيرة، ممسكة بوصفة طبية لطفلتها الصغيرة، عيناها تلمعان بالقلق. تقول بصوت منخفض: “قبل ثلاثة أيام، اشتريت الدواء من صيدلية في حي القيمرية بسعر 12 ألف ليرة، واليوم أجد نفس الدواء هنا بسعر 16 ألفاً، والمسافة بين الصيدليتين أقل من كيلومتر واحد. أحياناً أشعر أننا نلعب لعبة حظ مع صحة أطفالنا.” أمينة ليست حالة فردية، فهي تمثل آلاف العائلات الدمشقية التي وجدت نفسها أسيرة تفاوت الأسعار والدواء غير المتوافر، وسط غلاء مستمر وانخفاض القدرة الشرائية.

في حي الميدان وحي باب توما، يروي محمد، موظف حكومي، كيف أصبح شراء الدواء رحلة يومية. يقول: “أحياناً أذهب إلى خمس صيدليات لأجد دواء طفلي، وكل صيدلية تفرض سعراً مختلفاً. أغلب الوقت أضطر لشراء الدواء من أول صيدلية أجدها، حتى لو كان السعر أعلى من المتوقع.” ويضيف محمد أن هذا الوضع لا يتعلق بالسلع الكمالية، بل بصحة الأطفال والمواطنين، وهو ما يزيد العبء النفسي والمادي على العائلات.

ويكشف أحد مندوبي شركات الأدوية في دمشق، ويدعى سامر، عن الأسباب الكامنة خلف هذا التفاوت: “المدينة بالرغم من أنها مزودة بشبكة توزيع جيدة، إلا أن بعض المستودعات تفرض أسعاراً مختلفة، كما أن تكاليف النقل الداخلي تلعب دوراً كبيراً، خاصة عند توزيع الدواء إلى الصيدليات البعيدة قليلاً عن المراكز الرئيسية.”

في حي برزة، يروي الصيدلاني علي قصة يومه مع التحديات اليومية: “في بعض الأحيان، نفقد دواءً معيناً لعدة أيام بسبب تأخر المستودعات، أو نفاجأ بارتفاع السعر دون سبب واضح. بعض الزبائن يظنون أننا نستغلهم، لكن الواقع أن هناك فروقاً كبيرة في تكلفة الشراء والنقل.” ويضيف علي أن غياب الرقابة الفعلية من وزارة الصحة ونقابة الصيادلة يترك السوق مفتوحاً للتفاوت، ما يجعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الدواء.

في حي القدم، تحدثت مع سعاد، أم لطفلين، قالت: “في الأسبوع الماضي، اضطررت لدفع ضعف سعر وصفة دواء طفلي، لأن الصيدلية الوحيدة التي توفره رفعت السعر بحجة ندرة الدواء. لا أحد يراقب الأسعار، نحن فقط نتبع تعليمات الصيدلاني لنحصل على الدواء في الوقت المناسب.”

الشركات حاولت إيجاد حلول جزئية لهذه الأزمة، فأنشأت مستودعات صغيرة في مناطق استراتيجية مثل الميدان وبرزة، وأقامت شبكة توزيع تعتمد على مندوب واحد يغطي عدة صيدليات بسيارة مخصصة، لكن هذه الإجراءات مؤقتة. كما يوضح أحمد، مندوب إحدى الشركات: “هذه الطريقة تساعدنا على إيصال الدواء، لكنها لا تحل المشكلة الأساسية، التي تتعلق بغياب شبكة توزيع متكاملة تغطي المدينة كلها، مع ضبط الأسعار وتوحيدها.”

هناك مناطق حظيت بأولوية خاصة، مثل الميدان والحريقة، كونها تضم كثافة سكانية عالية، وتعتبر نقاط توزيع مركزية للصيدليات الصغيرة المحيطة بها. أما الأحياء الأطراف مثل جوبر وبرزة، فتواجه تحديات أكبر بسبب طول المسافات وصعوبة النقل. يقول أحد الصيادلة في جوبر: “أحياناً نضطر لنقل شحنة صغيرة عبر أكثر من سيارة، ما يرفع التكاليف ويجعل الأسعار متفاوتة بلا سبب منطقي.”

الأبعاد الإنسانية واضحة، إذ أن ارتفاع أسعار الأدوية أو تأخر وصولها يؤدي إلى تأجيل العلاج أو اللجوء إلى بدائل أقل فاعلية، ما يزيد من المخاطر الصحية على الأطفال وكبار السن. كما أن هذا الوضع يخلق شعوراً بعدم المساواة بين المواطنين، ويزيد من الضغط النفسي على الأسر ذات الدخل المحدود، ويؤثر على ثقة المواطنين في قدرة الجهات المعنية على ضبط السوق.

رغم الصعوبات، هناك صيادلة يحاولون تقديم عروض لجذب الزبائن أو الحفاظ على أسعار ثابتة ضمن حدودهم، لكن جهودهم محدودة دون دعم حكومي أو رقابة صارمة. ويختتم الصيدلاني علي حديثه بالقول: “المواطن يحتاج دواء متوافر، بسعر عادل، دون أن يضطر للبحث والتنقل بين الصيدليات، هذه حقوق أساسية يجب أن نوفرها.”

ويبدو أن حل أزمة الأدوية في دمشق يحتاج إلى أكثر من حلول مؤقتة. مطلوب بناء شبكة توزيع متكاملة، تضمن وصول الدواء لجميع الصيدليات بسعر موحد، مع رقابة صارمة على الأسعار، ودعم حكومي أو منظمات إنسانية لتخفيف العبء على الفئات الأكثر فقراً. كل ما يطلبه الأهالي هو الحق في دواء متوافر بالقرب منهم، بسعر منصف، كي يستطيعوا حماية صحة أطفالهم وضمان سلامتهم دون أن تتحول رحلة الشفاء إلى كابوس يومي.

- Advertisement -

- Advertisement -