اللاذقية/ سلاف العلي
لم يعد العام الدراسي موعد فرح للأطفال وحقيبة جديدة ودفاتر ملونة، بل أصبح بالنسبة لكثير من العائلات الساحلية في المدينة والريف مصحوباً بالقلق والهم المستمرين. مع بداية كل عام دراسي، تواجه العائلات معضلة دفع أقساط المدارس الخاصة، التي بدأت رحلتها السنوية بإرسال رسائل مليئة بالجداول الجديدة والزيادات المفاجئة والمطالبة بالدفع المسبق.
أزمة الأقساط هذه ليست طارئة بل مزمنة، وتزداد حدتها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وغلاء المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن، إلى جانب انهيار العملة الوطنية والفوضى الأمنية وارتفاع نسب البطالة، ما يجعل العائلات تحت ضغط مستمر وعجز عن مواجهة هذه التحديات.
ويشير الخبراء إلى أن التعليم الخاص يشكل نحو 30 إلى 35 في المئة من قطاع التعليم في اللاذقية، وقد تحول إلى سلطة قائمة بذاتها تتحكم بمصائر الأسر بلا رقيب أو سقف، بينما يجد الأهالي أنفسهم عاجزين عن تأمين حق أبنائهم في التعليم. لم تعد المشكلة محصورة بالأقساط والمدرسة والتدريس، بل تحولت السنة الدراسية إلى خزان من الأعباء والمشاكل، وسلة نفقات متشابكة تحملها العائلات بالكامل.
ويوضح جمال محمود درويش، مهندس مدني ووالد لثلاثة أطفال، حجم المعاناة قائلاً إن القسط السنوي ارتفع قليلاً عن العام الماضي، لكن أسعار القرطاسية والكتب والزي المدرسي تشكل العبء الأكبر. أصبحت السنة الدراسية بمثابة سلة نفقات متشابكة، كتب تباع بالدولار، دفاتر وأقلام تعادل أسعارها نصف راتب شهري لموظف، ولباس مدرسي باهظ الثمن يفرض على الأهل وكأنهم يعيشون حياة رفاهية، وهو ما جعل الأهالي يشعرون بالاستياء من ارتفاع التكاليف وعدم وجود أي بدائل حقيقية.
بينما تقول نوال، معلمة صف، إن الواقع أصبح استسلاماً لا محالة له، إذ يتناغم الغلاء مع موجات ارتفاع الأسعار التي لا تعرف القانون ولا العرف، بل تزيد من أرباح المدارس وتضاعف معاناة الأهالي، دون قدرة على تغيير هذا الواقع. الأزمة قد تصبح قدراً محتوماً، حيث يجد كثير من المواطنين أنفسهم مستسلمين لهذه الدائرة الضاغطة ولا مجال لمواجهتها أو كسرها.
في ظل هذا الوضع، يحاول بعض الأهالي التخفيف من الأعباء عن طريق نقل أبنائهم إلى مدارس أقل تكلفة، لكن حتى هذه الخيارات محدودة، إذ أن القسط في بعض المدارس الأقل تكلفة قد يصل إلى مبالغ مرتفعة جداً لا تكفيها الرواتب، زياد المحمود، موظف في التأمينات الاجتماعية، نقل ابنته إلى مدرسة أقل كلفة، لكنه فوجئ أن القسط السنوي تجاوز 3500 دولار مع مصاريف إضافية للكتب والقرطاسية والزي المدرسي، رغم أن ابنته لم تتجاوز السادسة بعد.
وقال إن انتقال التلميذ بين المدارس لم يعد بحثاً عن مستوى تربوي أفضل، بل أصبح هجرة تعليمية داخلية لتخفيف الأعباء المالية، ولو على حساب مستقبل الطلاب العلمي، موضحاً أنه يعمل في وظيفتين وثلاث ليتمكن من تغطية تكاليف الحياة والمدرسة معاً.
هذا الواقع أدى إلى ما يعرف بالهجرة التعليمية الداخلية، التي لا تقتصر على التنقل بين المدارس الخاصة نفسها، بل تمتد جغرافياً من اللاذقية ومدنها إلى طرطوس وبانياس ومدن ساحلية أخرى، وحتى حمص، فيما تعجز بعض العائلات عن أي خيار، فتعلن استسلامها أمام غلاء الأقساط حفاظاً على حق أبنائها في التعليم.
الأزمة لم تقتصر على الأعباء المالية، بل خلقت ما يشبه الفرز الاجتماعي داخل المدارس الخاصة، التي تحولت إلى أندية مغلقة، لا مكان فيها لمن لم يعد قادراً على دفع الأقساط كاملة، بينما التعليم الرسمي منهار بسبب السياسات المتعاقبة منذ أيام النظام السابق، والبنى التحتية متصدعة، الحروب، الميزانيات شبه معدومة، ما يجعل الانتقال من المدرسة الخاصة إلى الرسمية غالباً ما يعني تراجع المستوى وفرص أقل للطلاب.
المفارقة أن المعلمين أنفسهم يعانون من هذا الوضع، فهم لا يحصلون على أي زيادة تتناسب مع ارتفاع الأقساط، بينما المدارس الخاصة تبرر زياداتها بتضخم الدولار وارتفاع التكاليف، دون شفافية في كشف حساباتها. في هذه البيئة يظل الأهالي يدفعون ويئنون ويصرخون في فراغ، مع غياب الدولة بوصفها الضامن للحق في التعليم، ليصبح كل عام دراسي جديد معركة مفتوحة، يتقدم فيها الطمع على حساب العدالة، والتمييز على حساب تكافؤ الفرص، ليصبح مستقبل الأطفال باهظ الثمن في أزمة لا تنتهي.
بينما تضيق الخيارات أمام الأهالي، يبقى التعليم الخاص في اللاذقية واقعاً مؤلماً يحكم مستقبل الطلاب بمقاييس مالية، ويترك العائلات بين خيارين صعبين: الاستمرار في التعليم الخاص باهظ التكاليف، أو الانتقال إلى التعليم الرسمي المتدهور، مع تبعات على المستوى التعليمي وفرص الطلاب المستقبلية، وسط شعور عام بالعجز والاستسلام للظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة.