درعا/ رجاء مختار
في أزقة درعا، حيث كان صوت ضحكات الأطفال يصدح بين الحارات، أصبح الآن من المعتاد رؤية طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره يحمل بين أصابعه الصغيرة سيجارة مشتعلة، أو يجلس في ركن من أركان المقهى الشعبي يتناول الأرجيلة ببراعة مقلداً الكبار. هذه الصورة لم تعد تستثير الدهشة في المدينة الجنوبية، بل أصبحت جزءاً من مشهدها اليومي الذي يخفي وراءه مأساة أجيال تفقد براءتها مبكراً.
أمام أحد مقاهي منطقة الأشرفية، يجلس محمد (12 عاماً) مع مجموعة من أقرانه، يديرون دورة الأرجيلة بينهم وكأنها لعبة طفولية. يقول بفخر طفولي: “أتعلم أنني أدفع 5000 ليرة فقط لأشارك في الجلسة؟ هذا أقل ثمناً من شراء علبة سجائر”. يشرح محمد كيف أن صاحب المقهى لا يطلب منهم أي إثبات هوية، بل يشجعهم على الجلوس لأنهم “زبائن دائمون”.
التحقيق في أسواق درعا يكشف أن بيع السجائر المفردة أصبح تجارة رائجة. أبو علي، صاحب دكان في حي الطورة، يعترف بأنه يبيع السجائر للأطفال بشكل فردي: “إذا منعتهم، سيلجأون إلى آخرين. الأهم أنني لا أبيع لهم علباً كاملة”. هذه السجائر المفردة تباع بمضاعفة سعرها أحياناً، مما يجعلها تجارة مربحة للتجار ومتاحة للأطفال الذين لا يملكون نقوداً كافية لشراء علب كاملة.
في منزل عائلة الحسين، تجلس الأم وفاء (42 عاماً) تتحدث بحزن عن ابنها البالغ من العمر 13 عاماً: “اكتشفت أنه يسرق النقود من محفظتي لشراء السجائر. عندما واجهته، اعترف بأنه يدخن منذ ستة أشهر”. القصة لم تنتهِ هنا، فالأب قرر أن “يحل المشكلة” بشراء السجائر لابنه بنفسه، مبرراً ذلك بأنه “يفضل أن يدخن أمامنا بدلاً من أن يسرق ويدخن سراً”.
الدكتور خالد الناصر، طبيب الأطفال في مشفى درعا الوطني، يحذر من تداعيات هذه الظاهرة: “أعاني من زيادة واضحة في الحالات المرضية بين الأطفال المدخنين، خاصة أمراض الجهاز التنفسي والربو”. ويضيف: “الأسوأ أن بعض الأهالي يأتون بأطفالهم وهم يطلبون علاجاً للسعال المزمن، من دون أن يعترفوا أن الطفل يدخن”.
في مدرسة عبد الرحمن الداخل الابتدائية، يحاول المعلمون مواجهة هذه الظاهرة بطرق إبداعية. الأستاذ معن الزعبي ينظم حصص توعية أسبوعية: “أستخدم فيها مجسمات للرئتين تظهر الفرق بين رئة المدخن والسليمة. الأطفال ينصتون باهتمام، لكن تأثير الشارع أقوى أحياناً”.
الجمعيات الأهلية في درعا تحاول بدورها التصدي لهذه الآفة. جمعية “أجيال المستقبل” تنظم حملات توعية في الأحياء الشعبية، لكن ممثلها أحمد المحمود يقر بأن التحديات كبيرة: “نواجه صعوبة في الوصول إلى الأطفال الأكثر عرضة للخطر، خاصة أولئك الذين تسربوا من التعليم”.
أحد المقاهي في منطقة الصناعة يستقبل الأطفال بعد دوامهم المدرسي مباشرة. صاحب المقهى، الذي فضل عدم ذكر اسمه، يبرر ذلك: “هؤلاء الأطفال يعيشون ظروفاً صعبة. الأرجيلة بالنسبة لهم هي وسيلة للترفيه والتسلية”. لكنه يعترف بأنه لا يطلب منهم أي وثائق تثبت أعمارهم.
الظاهرة لم تعد تقتصر على الذكور، فالفتيات الصغيرات يشاركن في جلسات التدخين، وإن كان ذلك بشكل أكثر تحفظاً. إحدى الأمهات تروي كيف اكتشفت أن ابنتها البالغة 14 عاماً تدخن الأرجيلة مع صديقاتها في أحد المقاهي النسائية: “صدمت عندما رأيتها في المقهى، كانت تمسك بأنبوب الأرجيلة وكأنها اعتادت على ذلك”.
في ظل غياب الرقابة الفعالة وتهاون الأهل أحياناً، يبقى الأطفال في درعا عرضة لمخاطر التدخين التي تهدد صحتهم ومستقبلهم. المحامي رامي الحسن يوضح أن “القوانين السورية تمنع بيع التبغ لمن هم دون 18 عاماً، لكن التطبيق على الأرض شبه معدوم”. ويضيف: “نحتاج إلى تظافر جهود الجميع: الأسرة، المدرسة، المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية لمواجهة هذه الآفة”.
الغريب في الأمر أن بعض الأهالي في درعا أصبحوا يتقبلون فكرة تدخين أطفالهم، بل ويشجعونها في بعض الأحيان. أحد الآباء قال لنا بصراحة: “الأفضل أن يدخن ابني أمام عيني بدلاً من أن يجرب المخدرات في الخفاء”. هذه العقلية تعكس حجم اليأس والإحباط الذي تعيشه بعض الأسر في المدينة.
أطفال درعا، الذين عانوا من ويلات الحرب، يواجهون الآن خطراً جديداً يهدد مستقبلهم. خطر لا يقل فتكاً عن الرصاص، لكنه يقتل ببطء وبصمت، بينما الجميع ينشغلون بمشاكل الحياة اليومية. المعركة ضد هذه الآفة تحتاج إلى أكثر من مجرد قوانين، تحتاج إلى تغيير ثقافة مجتمعية بأكملها.