لكل السوريين

زواج الأقارب في درعا… عادة اجتماعية تثير الجدل بين التأييد والمخاطر الصحية

درعا/ رجاء مختار

لا تزال ظاهرة زواج الأقارب منتشرة بشكل واسع في محافظة درعا، حيث تُعتبر عرفاً اجتماعياً متجذراً في تقاليد العائلات الريفية والمحافظة، رغم التحذيرات المتكررة من مخاطره الصحية على الأجيال الجديدة. ففي مجتمع يقدس الروابط العائلية ويسعى إلى الحفاظ على الموروث والتماسك الداخلي، يجد الكثيرون في زواج الأقارب ضمانة لحماية العلاقات الاجتماعية وتقوية الروابط بين الأسر ذات النسب الواحد.

إلا أن الأطباء والمختصين يحذرون من أن هذه الظاهرة تؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمراض الوراثية والإعاقات لدى الأطفال، مما يستدعي التوعية بضرورة الفحص الطبي قبل الزواج.

تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى أن نسبة زواج الأقارب في درعا تتراوح بين 30% إلى 40% من إجمالي حالات الزواج، خاصة في المناطق الريفية والقرى التي تزداد فيها العادات التقليدية قوة. وتعود أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى عوامل عدة، أبرزها الرغبة في الحفاظ على الممتلكات العائلية داخل النسب الواحد، وتجنب تدخل الغرباء في الشؤون الأسرية، بالإضافة إلى الاعتقاد السائد بأن زواج الأقارب يضمن استقرار العلاقة الزوجية بسبب معرفة العائلات ببعضها مسبقاً. كما أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة تلعب دوراً في ترجيح كفة هذا النوع من الزواج، نظراً لتقليل التكاليف المادية المرتبطة بالمهور وحفلات الزفاف المبالغ فيها.

لكن في المقابل، تؤكد التقارير الطبية أن زواج الأقارب يزيد من احتمالية انتقال الأمراض الوراثية، مثل فقر الدم المنجلي والتلاسيميا والإعاقات الذهنية، بسبب تشابه الجينات بين الأبوين. وقد سجلت مستشفيات درعا حالات متكررة لأطفال يعانون من أمراض مزمنة ناتجة عن زواج الأقارب، مما يشكل عبئاً على النظام الصحي وعلى الأسر التي تضطر إلى تحمل تكاليف علاج باهظة.

ورغم وجود حملات توعوية هنا وهناك تشجع على إجراء الفحوصات الطبية قبل الزواج، إلا أن الكثيرين لا يزالون يتجاهلون هذه النصائح بسبب العادات الاجتماعية أو نقص الوعي الصحي.

من الناحية الاجتماعية، يرى مؤيدو زواج الأقارب أنه يعزز تماسك العائلة الكبيرة ويقلل من احتمالية حدوث مشاكل بين العائلتين، كما أنه يضمن – في نظرهم – استمرارية العادات والتقاليد التي توارثوها عن أجدادهم. إلا أن المعارضين لهذه الظاهرة يشيرون إلى أنها تساهم في تقليل التنوع الجيني، مما قد يؤدي إلى ضعف المناعة لدى الأجيال القادمة.

كما أن بعض الدراسات الاجتماعية تُظهر أن زواج الأقارب ليس بالضرورة ضماناً لاستقرار الزواج، إذ أن نسبة الطلاق في هذه الزيجات ليست أقل من الزيجات الأخرى، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية وتغير المفاهيم الاجتماعية لدى الشباب.

في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة حول آثار زواج الأقارب في درعا، تبقى المشكلة محل جدل بين الأطباء الذين يحذرون من مخاطرها، وبين الأهالي الذين يتمسكون بعاداتهم. بعض العائلات بدأت تُظهر وعياً أكبر بأهمية الفحص الطبي قبل الزواج، لكنها لا تزال تميل إلى تزويج أبنائها من الأقارب حتى مع وجود نتائج طبية تحذر من ارتفاع نسبة الأمراض. وهذا يُظهر أن تغيير العادات الاجتماعية يحتاج إلى وقت طويل، بالإضافة إلى تعاون بين الجهات الصحية والمؤسسات الدينية والتعليمية لنشر التوعية اللازمة.

تبقى ظاهرة زواج الأقارب في درعا قضية معقدة تربط بين العرف الاجتماعي والمخاطر الصحية، مما يتطلب حلولاً متوازنة تحترم التقاليد من جهة، وتضمن سلامة الأجيال القادمة من جهة أخرى. فبدون تكثيف الحملات التوعوية وتوفير فحوصات وراثية ميسورة التكلفة، ستستمر هذه العادة في التسبب بمشاكل صحية واجتماعية قد تثقل كاهل الأسر والمجتمع ككل في المستقبل.

- Advertisement -

- Advertisement -