لم يعد خافياً أن أنقرة باتت تخسر موقعها كلاعب مركزي في الملف السوري، فبعد أن جرى تهميش دورها في المحافل الدولية، تحاول جاهدة استعادة أوراقها عبر أساليب جديدة، أبرزها السعي إلى عرقلة أي تقارب سوري – سوري، قد يفتح الباب أمام حل سياسي شامل.
ومن الأمثلة الصارخة على ذلك، محاولتها إفشال الحوار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية، من خلال ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة، والتأثير على أطراف محلية لخلق هوة بين الجانبين.
ولم يعد التدخل التركي يتوقف عند العمليات العسكرية أو التهديدات الحدودية فقظ، بل تمدد إلى محاولات مدروسة لإضعاف النسيج الاجتماعي السوري، وزرع الشكوك بين مكوناته.
ومع استبعاد أنقرة من اجتماع باريس الأخير، بدت خطواتها أكثر انفعالية، بدءاً من زيارة وزير خارجيتها إلى دمشق في توقيت حساس، ووصولاً إلى محاولات منع حكومة دمشق الانتقالية من المشاركة في أي مسار سياسي دولي.
هذه السياسات لا تهدد الاستقرار في شمال وشرق سوريا فقط، بل تمس مستقبل العملية السياسية برمّتها، لأنها تقوم على منطق التعطيل والإقصاء بدلاً من الحوار والشراكة.
ولا شك في أن صمود المكونات المحلية، وإصرارها على حماية نموذجها الديمقراطي، يشكلان ركيزة أساسية لمواجهة هذه الضغوط، خاصة إذا ترافق ذلك مع دور دولي أكثر فاعلية يضع حداً للتدخلات الخارجية ويمنح السوريين فرصة لإيجاد حلول تنبع من إرادتهم الوطنية.
إن مستقبل سوريا لا يبنى على حساب مصالحها، ولا عبر وصايات إقليمية، بل من خلال تفاهمات داخلية صادقة تضمن مشاركة جميع القوى الفاعلة.
وكلما تعمق الحوار السوري – السوري، كلما ضاقت دائرة التدخلات الخارجية، وتراجع أثر السياسات التي تراهن على إفشال أي بارقة أمل نحو الاستقرار.