السوري ـ حماة
في محافظة حماة، حيث تمتد بساتين الزيتون على مساحات واسعة، تعيش كثير من النساء تحت وطأة عادات اجتماعية تفرض عليهن مسارات حياة لا يخترنها. ورغم وجود نصوص قانونية تنص على ضرورة موافقة المرأة على الزواج، لا تزال ظاهرة زواج الإكراه حاضرة بقوة، خصوصاً في الأرياف والمجتمعات ذات الطابع العشائري، حيث يُقدَّم العرف على القانون، وتُختزل إرادة المرأة بقرار وليّ أمرها.
يرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن هذه الظاهرة ليست طارئة، بل هي نتاج تراكمات ثقافية واجتماعية عززتها بيئة تقليدية ذكورية. ويشير الباحث الاجتماعي أحمد العبود إلى أن “الواقع الاجتماعي المتوارث أسهم في تكريس سلطة الرجل على قرارات المرأة، في مجتمع يصف نفسه بالمحافظ، لكنه في كثير من الأحيان يحدّ من حقوقها الأساسية”. كما أن ضعف تطبيق القوانين، إلى جانب ممارسات بعض المأذونين الذين يكتفون بموافقة الولي دون التحقق من رضا المرأة، يسهم في استمرار هذه الظاهرة.
قصص الضحايا تعكس حجم المعاناة. فـ”فاطمة”، شابة في العشرينات من ريف حماة الشمالي، وجدت نفسها أمام قرار عائلي بتزويجها من رجل يكبرها بعشرين عاماً، رغم ارتباطها العاطفي بشخص آخر. وبعد رفضها المتكرر، اضطرت إلى الهروب والزواج بمن اختارته، ما كلفها قطيعة مع عائلتها. تقول: “كان القرار قاسياً، لكنني فضّلت أن أخسر عائلتي على أن أخسر حياتي”.
في المقابل، لم تتمكن “سلمى”، وهي فتاة قاصر من ريف حماة الشرقي، من مقاومة قرار والدها الذي زوّجها لتسديد ديونه. وتحولت حياتها من طالبة متفوقة تحلم بدراسة الطب إلى زوجة لرجل لا ترغب به، قبل أن تصل بها المعاناة إلى محاولة إنهاء حياتها، في مؤشر خطير على الآثار النفسية العميقة لهذه الزيجات.
من الناحية القانونية، تؤكد المحامية لمى الأسعد أن القوانين السورية لا تجيز إجبار المرأة على الزواج، وأن أي عقد يتم بالإكراه يُعد غير صحيح من حيث المبدأ. لكنها توضح أن “النصوص القانونية، رغم وضوحها، تُفرغ من مضمونها في كثير من الأحيان بسبب مرونتها أو سوء تطبيقها، إضافة إلى هيمنة الأعراف الاجتماعية”.
وتتفق الناشطة الحقوقية رنا الرفاعي مع هذا الطرح، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من القضايا المعروضة أمام محاكم حماة ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بزواج الإكراه. وتضيف أن “العادات والتقاليد، إلى جانب بعض الموروثات الشعبية، تلعب دوراً أساسياً في تبرير هذه الممارسات، ما يجعل من الصعب مواجهتها دون تغيير ثقافي عميق”.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن نسبة ملحوظة من زيجات الريف الحموي تتم دون رضا كامل من المرأة، بدرجات متفاوتة من الإكراه، ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة. في المقابل، بدأت بعض المبادرات المحلية بمحاولة الحد منها، عبر تنظيم حملات توعية قانونية واجتماعية، وتقديم الدعم للفتيات المعرضات للإجبار على الزواج.
تقول عهد المحمود، من إحدى المبادرات المدنية، إن العمل الميداني يواجه تحديات كبيرة، خاصة في ظل رفض بعض الوجهاء التقليديين لهذه الجهود، معتبرين إياها تهديداً للأعراف السائدة. ومع ذلك، تشير إلى تحقيق نتائج ملموسة في إنقاذ بعض الحالات، ما يعكس إمكانية التغيير، ولو بشكل تدريجي.
تبقى ظاهرة زواج الإكراه في حماة انعكاساً لصراع مستمر بين منظومتين: واحدة قانونية تسعى لحماية الحقوق، وأخرى اجتماعية متجذرة تقيدها. وبين هذا وذاك، تقف العديد من النساء أمام خيارات محدودة، في معركة يومية من أجل حق أساسي: اختيار شريك الحياة بحرية.