درعا/ رجاء مختار
في السوق القديم لمدينة درعا، يقف أبو باسل أمام بائع البيض وهو يحسب بدقة بالغة: “صحن البيض بـ43 ألف ليرة؟ هذه مهزلة! كيف أصبح سعر البيض يعادل نحو 6% من راتب موظف؟”. المشهد اليومي في أسواق المحافظة الجنوبية لم يعد يقتصر على البحث عن السلعة، بل تحول إلى معادلة حسابية قاسية بين الحاجة الغذائية والقدرة الشرائية المتهالكة.
قبل شهر فقط، كان سعر صحن البيض لا يتجاوز 20 ألف ليرة، لكن الصدمة جاءت مع ارتفاعه المفاجئ إلى أكثر من الضعف، ليصبح بيض المائدة حلماً بعيد المنال للعديد من الأسر في محافظة عانت ولا تزال من تبعات الحرب وانهيار الاقتصاد. هذه القفزة السعرية لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة تراكمية لأزمة متعددة الأبعاد يعيشها قطاع الدواجن في المحافظة والبلاد بشكل عام.
يقول محمد الحسين، أحد مربي الدواجن في منطقة الشيخ مسكين: “خسرت أكثر من 40% من قطعاني خلال موجة الحر الأخيرة. الدجاج البياض لا يتحمل درجات الحرارة المرتفعة، وكنا نعاني من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، مما جعل أنظمة التبريد في المزارع عاجزة عن إنقاذ الوضع”. يضيف الحسين بحسرة: “كنا ندفن الآلاف من الدجاج يومياً، مشهد مؤلم كان يؤثر على نفسيتنا قبل اقتصادنا”.
الأزمة لم تكن محصورة في نفوق الدجاج فقط، بل امتدت إلى مشكلة الأعلاف التي تشكل عبئاً إضافياً على المربين. سعر الأعلاف ارتفع بنسبة 70% خلال الأشهر الماضية، بينما انخفض استهلاك الدجاج لها بسبب الحر الشديد، مما أدى إلى انخفاض إنتاج البيض بشكل حاد. هذه المعادلة المعقدة حولت البيض من غذاء أساسي إلى سلعة ترتبط بقدرة الأسرة المالية.
في منزل متواضع بحي الأشرفية، تتحضر أم محمد لتحضير الطعام لأطفالها الخمسة. تقول وهي تمسك بصحن البيض الفارغ: “أطفالي لم يعودوا يسألون عن البيض، يعرفون أننا لا نستطيع شراءه. أصبحنا نستخدم البطاطا والبقوليات بديلاً عن البروتين الحيواني”. تضيف الأم التي فقدت زوجها خلال الحرب: “البيض لم يعد غذاء، بل أصبح مقياساً لثروة الأسرة. عندما نرى جيراننا يشترون البيض، نعرف أن وضعهم المالي أفضل منا”.
وفي أحد أسواق درعا، يحاول بائع البيض أحمد السعدي تبرير ارتفاع السعر: “الناس تعتقد أننا نربح أموالاً طائلة، لكن الحقيقة أننا نعمل بخسارة. سعر البيضة الواحدة أصبح بين 2000 و3300 ليرة، لكن تكلفة الإنتاج تكاد تقترب من هذا الرقم. المزارع يخسر، والتاجر يخسر، والمستهلك يخسر.. فأين تذهب الأموال؟”.
حول مسألة التصدير، يؤكد تجار ومهتمون بالقطاع أن صادرات البيض إلى قطر لا تتجاوز 5% من الإنتاج الحالي، وأنها ليست السبب في ارتفاع الأسعار. يقول التاجر خالد الداوود: “الكميات المصدرة رمزية ولا تؤثر على السوق المحلي. المشكلة الحقيقية هي في انخفاض الإنتاج وارتفاع تكاليفه”.
أما بالنسبة لفرضية الاستيراد كحل للأزمة، فيرى اقتصاديون أنها غير مجدية في الظروف الحالية. الدكتور معن صالح، أستاذ الاقتصاد في جامعة درعا، يوضح: “سعر البيض في لبنان والأردن أعلى منه في سوريا، والاستيراد سيرفع السعر أكثر. بالإضافة إلى أن العملة الصعبة غير متوفرة، والبنية التحتية للتبريد والنقل مدمرة”.
ويضيف صالح: “الأزمة ليست في البيض فقط، بل في نموذج الاقتصاد المنهار. عندما يرتفع سعر صحن البيض إلى ما يقارب 6% من الحد الأدنى للأجور، فهذا يعني أننا أمام كارثة إنسانية حقيقية”.
الأمل الوحيد يبقى في بدء دورة إنتاج جديدة خلال الشهرين القادمين، كما يتوقع المختصون، لكن هذا الأمل لا يعالج الجرح العميق في القطاع الزراعي والاقتصادي. فمشكلة انقطاع الكهرباء، وارتفاع أسعار الوقود، وندرة الأعلاف، وتدني القدرة الشرائية للمواطن، كلها عوامل تهدد أي تحسن مستقبلي.
في شوارع درعا، لم يعد البيض مجرد مادة غذائية، بل أصبح شاهداً على معاناة شعب يحاول النهوض من تحت الأنقاض. أزمة البيض تروي قصة أكبر: قصة اقتصاد منهك، وزراعة متعثرة، وأسر تبحث عن كرامتها في ظل ظروف معيشية قاسية. فهل تكون هذه الأزمة جرس إنذار لإعادة النظر بسياسات القطاع الزراعي، أم أنها مجرد حلقة في سلسلة الأزمات التي لا تنتهي؟