لكل السوريين

الذكاء الاصطناعي في الزراعة.. هل يختصر طريق سوريا نحو الأمن الغذائي؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة تقتصر تطبيقاتها على البرمجة والصناعة، بل بات أداة متنامية الأهمية في تطوير البحث العلمي الزراعي، من تحليل البيانات والتنبؤ بالأمراض والظروف المناخية، إلى تحسين إنتاجية المحاصيل وتسريع برامج استنباط الأصناف الجديدة. وفي بلد مثل سوريا، يواجه قطاعه الزراعي تحديات متراكمة، تبرز الحاجة إلى توظيف هذه التقنيات في دعم الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي.

وأكدت مديرة البحوث في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، الدكتورة انتصار محمد الجباوي، خلال محاضرة علمية متخصصة حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، أن التقنيات الحديثة أصبحت عاملاً مهماً في تسريع التحليل واستخلاص النتائج، وتوفير معطيات تساعد الباحثين على اتخاذ قرارات تستند إلى البيانات.

تحليل أسرع ونتائج أكثر دقة

وتتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي التعامل مع كميات كبيرة من البيانات الزراعية، وربط المعلومات المتعلقة بالتربة والمناخ والري والإنتاج، بما يساعد على تحديد الأنماط والتنبؤ بالنتائج المحتملة. كما يمكن توظيفها في تحليل الصفات الوراثية للمحاصيل، واختيار الأصناف الأكثر قدرة على تحمل الجفاف والحرارة ومقاومة الأمراض، وهي تحديات تزداد أهميتها مع التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية.

وبحسب الجباوي، فإن دمج الذكاء الاصطناعي بالتحليل الإحصائي الحيوي يمكن أن يختصر مراحل طويلة من العمل البحثي، ولا سيما في برامج تربية المحاصيل الاستراتيجية، من خلال تحسين تحليل التجارب وتقييم النتائج وتوجيه الجهود نحو الخيارات الأكثر جدوى.

وفي هذا السياق، حصلت الجباوي على وسام التميز العلمي خلال أحد المؤتمرات الدولية عن بحث بعنوان «دمج الذكاء الاصطناعي بالتحليل الإحصائي الحيوي لتسريع برامج تربية المحاصيل الاستراتيجية»، الذي تناول توظيف الأدوات الذكية في رفع كفاءة البحث الزراعي.

التكنولوجيا وحدها لا تكفي

ورغم الإمكانات التي توفرها هذه التقنيات، فإن الاستفادة منها تتطلب باحثين يمتلكون المعرفة العلمية والقدرة على التحقق من النتائج وتفسيرها. فالذكاء الاصطناعي قد يقدم تحليلات وتوقعات متقدمة، لكنه لا يضمن صحتها بصورة تلقائية، خصوصاً عندما تكون البيانات ناقصة أو غير دقيقة، ما يجعل الإشراف البشري والتحقق التجريبي عنصرين أساسيين في العمل البحثي.

وتؤكد هذه المعادلة أهمية تطوير مهارات الباحثين والطلاب في تحليل البيانات والبرمجيات العلمية، إلى جانب توفير التجهيزات والبنية الرقمية اللازمة داخل الجامعات ومراكز البحوث.

فرصة تحتاج إلى استثمار

بالنسبة إلى سوريا، يمكن أن يشكل دمج الذكاء الاصطناعي في البحث الزراعي فرصة لتحسين إدارة المياه، ورفع كفاءة استخدام البذور والأسمدة، وتطوير أصناف تتلاءم مع الظروف المحلية. لكن تحقيق هذه النتائج يتطلب تمويلاً مستداماً، وتحديث قواعد البيانات، وتعزيز التعاون بين المؤسسات البحثية والمزارعين.

فالتحدي لا يكمن في امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل في تحويلها إلى حلول قابلة للتطبيق في الحقول. وعندها فقط يمكن للتكنولوجيا أن تصبح رافعة حقيقية للإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، لا مجرد عنوان جديد في المؤتمرات العلمية.

- Advertisement -

- Advertisement -