لكل السوريين

المرأة السورية في طرطوس.. نماذج كفاح تعيد رسم ملامح الاستقلال الاقتصادي

السوري ـ طرطوس

تواصل المرأة السورية في محافظة طرطوس وريفها إثبات حضورها الفاعل في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي خلّفتها سنوات الحرب، حيث برزت مبادرات فردية ومجتمعية ساهمت في تعزيز دورها كعنصر أساسي في دعم الأسرة وتحقيق الاستقرار المعيشي.

ومع تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، وجدت العديد من النساء أنفسهن في موقع المسؤولية المباشرة عن إعالة أسرهن، ما دفعهن إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، ولو كانت محدودة، لكنها كفيلة بتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

قصص كفاح من الواقع

تقول خالدية العبد، وهي في العقد الخامس من عمرها، إنها بدأت العمل في تنور بسيط لبيع الخبز والفطائر بعد أن واجهت ظروفاً معيشية صعبة، مضيفة: “لم يكن العمل مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل محاولة للحفاظ على كرامتي ومساندة أسرتي”.

وتشير إلى أن هذا المشروع الصغير، رغم بساطته، منحها شعوراً بالاستقلال، وساعدها على إعالة أسرتها المكوّنة من أربعة أفراد، كما بدأت بنقل خبرتها إلى ابنها، ليتمكن مستقبلاً من الاعتماد على نفسه.

وفي سياق مشابه، تروي دلال ديوب، وهي أرملة من ريف طرطوس، كيف تحوّلت خبرتها في تربية الحيوانات إلى مصدر دخل مستقر نسبياً، بعد حصولها على بقرة بدعم من إحدى الجمعيات، لتتمكن لاحقاً من توسيع مشروعها.

وتوضح أن هذا العمل وفّر لها نوعاً من الأمان المادي بعد سنوات من العوز، رغم التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الأعلاف وتقلبات السوق.

أما علياء محمد (29 عاماً)، فقد اختارت طريقاً مختلفاً، حيث حوّلت موهبتها في التطريز إلى مشروع خاص، مستفيدة من التراث السوري الغني في هذا المجال، وتقول إن هذه المهنة تتطلب صبراً وذوقاً فنياً، لكنها في الوقت نفسه تفتح آفاقاً للعمل من المنزل.

وتلفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مهماً في تسويق منتجاتها، رغم الصعوبات المتعلقة بتأمين المواد الأولية وارتفاع أسعارها.

دور المجتمع المحلي والمؤسسات

في ظل هذه التحديات، برز دور الجمعيات الأهلية كمساند أساسي للمرأة، من خلال دعم المشاريع الصغيرة وتقديم التدريب والتأهيل.

وتُعد مبادرات إعادة التدوير من النماذج اللافتة، حيث تعمل بعض السيدات على تحويل المواد المستهلكة إلى منتجات فنية قابلة للاستخدام، ما يفتح باباً جديداً للدخل ويعزز ثقافة الاستدامة.

كما ساهمت هذه المبادرات في استقطاب النساء والفتيات، عبر تنظيم دورات تدريبية تساعدهن على اكتساب مهارات جديدة يمكن استثمارها اقتصادياً.

من جهة أخرى، يشير مختصون في التنمية الريفية إلى أن هناك جهوداً رسمية لدعم النساء، من خلال مشاريع تستهدف الأسر الريفية، وتوفر التدريب والقروض الصغيرة، إضافة إلى العمل على إنشاء أسواق محلية لتصريف المنتجات.

تحديات مستمرة

ورغم هذه الجهود، لا تزال المرأة السورية تواجه صعوبات عديدة، أبرزها ضعف التمويل، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ومحدودية فرص التسويق، فضلاً عن الأعباء الأسرية التي تتحملها إلى جانب العمل.

كما تشكل بعض العادات الاجتماعية عائقاً أمام توسّع دور المرأة في سوق العمل، خاصة في المناطق الريفية، حيث لا تزال النظرة التقليدية تحدّ من مشاركتها في بعض المجالات.

نحو تمكين مستدام

يرى متابعون أن تمكين المرأة اقتصادياً يشكّل ركيزة أساسية في إعادة بناء المجتمع، لما له من أثر مباشر على تحسين مستوى معيشة الأسرة وتعزيز الاستقرار.

ويؤكدون على أهمية توسيع برامج الدعم، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتطوير مهارات النساء بما يتناسب مع متطلبات السوق، إضافة إلى تعزيز ثقافة العمل الحر والمشاريع الصغيرة.

في ظل واقع مليء بالتحديات، تبرز المرأة السورية في طرطوس كنموذج للإرادة والصمود، حيث استطاعت، رغم الإمكانات المحدودة، أن تخلق فرصاً جديدة للحياة، مؤكدة أن التمكين الحقيقي يبدأ من الإيمان بالقدرة على التغيير وصناعة المستقبل.

- Advertisement -

- Advertisement -