لم تعد أزمة الخدمات في حلب مجرد شكاوى متفرقة من انقطاع المياه أو تراجع ساعات الكهرباء أو تراكم النفايات في بعض الشوارع، بل باتت تعكس حجم التحديات التي تواجه استعادة الحياة الطبيعية في مدينة أنهكتها سنوات الحرب، وتحتاج بنيتها التحتية إلى ما هو أبعد من حملات الصيانة المؤقتة والتدخلات الإسعافية.
وخلال الأيام الأخيرة، عادت ملفات النظافة والخدمات البلدية إلى الواجهة، بالتزامن مع استمرار شكاوى السكان من تراجع الخدمات الأساسية. وبينما تتحدث الجهات المعنية عن ورش عمل ومشروعات لإصلاح الشبكات وتحسين الأداء، يظل السؤال الذي يشغل الأهالي: لماذا لا ينعكس هذا الحراك بصورة مستقرة على حياتهم اليومية؟
في أحدث التقارير المنشورة، رصدت صحيفة «عنب بلدي» في 16 تشرين الأول الجاري تفاوتاً في مستوى النظافة بين أحياء المدينة، رغم الإجراءات التي اتخذتها المحافظة لتحسين هذا الملف. وكان محافظ حلب عزام الغريب قد حدد 15 تشرين الأول موعداً لتقييم مستوى التحسن وأداء المسؤولين المعنيين، بعد اجتماع عقد في نهاية أيلول لمناقشة واقع النظافة ووضع إجراءات لمعالجته.
وتكشف هذه المتابعة أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بوجود حملات لترحيل القمامة، وإنما بمدى انتظامها وقدرتها على الوصول إلى مختلف الأحياء، ولا سيما المناطق التي تعاني ضعفاً في الخدمات منذ سنوات. فالحملة التي تزيل النفايات من شارع رئيسي قد تحسن المشهد مؤقتاً، لكنها لا تكفي إذا بقيت الشوارع الفرعية والأحياء السكنية خارج التغطية المنتظمة.
مياه الشرب.. أزمة تتجاوز الأعطال الطارئة
تبدو أزمة المياه واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً في حلب، إذ سجلت أحياء متعددة خلال الأشهر الماضية انقطاعات طويلة وتراجعاً في كميات الضخ، ما دفع أسرًا إلى الاعتماد على الصهاريج وشراء المياه على نفقتها الخاصة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الثورة السورية» في 6 آب 2026، شملت الشكاوى أحياء الزبدية والأنصاري والأنصاري الشرقي والجميلية والسكري وحي الإذاعة، فيما تحدث سكان عن ارتفاع سعر ألف لتر من المياه إلى ما بين 100 و150 ألف ليرة سورية، مقارنة بنحو 75 ألف ليرة قبل الزيادة التي تناولها التقرير. وهذه أسعار مرتبطة بالفترة المذكورة وليست تسعيرة مؤكدة لليوم.
وكان تقرير نشرته «الجزيرة» في 18 تموز الماضي قد نقل عن مدير مؤسسة المياه في حلب أن نحو 70 بالمئة من شبكة المياه، البالغ طولها قرابة 3700 كيلومتر، تعاني تدهوراً فنياً، مع تقديرات بأن عمر أجزاء كبيرة من تجهيزاتها يتراوح بين 25 و40 عاماً. وتوضح هذه الأرقام أن أزمة المياه ليست طارئة بالكامل، بل ترتبط ببنية تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، لا إلى إصلاح الأعطال وحدها.
ورغم إعلان الجهات المعنية إجراءات إسعافية ومشروعات لتأهيل الشبكات، تبقى الحاجة قائمة إلى نشر جداول واضحة للضخ، وتحديد الأحياء المتضررة، وإعلان مواعيد إصلاح الأعطال، حتى لا يترك السكان أمام انقطاعات غير متوقعة وتكاليف إضافية لا يستطيعون التخطيط لها.
الكهرباء.. تحسن متقطع يعيد السكان إلى دائرة القلق
لم يكن ملف الكهرباء أفضل حالاً؛ فبعد فترة شهدت تحسناً نسبياً في ساعات التغذية، عادت الانقطاعات الطويلة لتثير استياء السكان خلال النصف الثاني من أيلول وبداية تشرين الأول.
وذكر تقرير لصحيفة «الثورة السورية» نُشر في 4 تشرين الأول 2026 أن التقنين ارتفع خلال الأسبوعين السابقين، ووصل في بعض الأحياء إلى نحو عشر ساعات شبه متواصلة من الانقطاع. وأرجع التقرير تراجع التغذية إلى خروج مجموعات توليد عن الخدمة وأعمال الصيانة، قبل أن يزيد انفجار خط الغاز في محطة تشرين الضغوط على منظومة التوليد.
وتتجاوز تداعيات الكهرباء مسألة الإنارة المنزلية، إذ تؤثر في تشغيل مضخات المياه، وحفظ المواد الغذائية، وعمل المحال والورش والمنشآت الصناعية، فضلاً عن اعتماد السكان على المولدات الخاصة لتعويض ساعات الانقطاع.
وفي هذا السياق، يواجه الأهالي مشكلة إضافية تتعلق بكلفة الكهرباء البديلة. فقد أشار تقرير نشره المرصد السوري لحقوق الإنسان في 19 أيلول الماضي إلى شكاوى من تفاوت أسعار الأمبيرات بين أحياء حلب، وفرض بعض أصحاب المولدات تسعيرات وفق تقديراتهم، وسط مطالبات بتشديد الرقابة وتنظيم هذه الخدمة.
ووفق تقرير نشرته «الثورة السورية» في 18 تشرين الأول الجاري، أظهر مسح لمجلس مدينة حلب وجود 3200 بناء بحاجة إلى تدعيم، و422 بناء مهدماً، فيما وصلت نسبة الأجزاء المتضررة من شبكة الصرف الصحي في عدد من الأحياء إلى نحو 38 بالمئة. وأشار التقرير إلى العمل على استبدال نحو 127 كيلومتراً من الشبكة المهترئة.
وتعني هذه الأرقام أن استعادة الخدمات لا يمكن فصلها عن تأهيل الأبنية والطرق وشبكات تصريف المياه، وإزالة الأنقاض، ومعالجة الأضرار التي تهدد سلامة السكان. فعودة العائلات إلى أحيائها لا تتحقق بمجرد فتح الطرق أو إزالة الركام، بل تحتاج إلى مياه وكهرباء وصرف صحي وخدمات بلدية منتظمة.
كما أورد التقرير نفسه تسجيل مديرية صحة حلب 20 ألفاً و956 إصابة جديدة باللاشمانيا حتى الأول من أيلول 2026، في سياق تناوله الظروف البيئية والصحية في بعض الأحياء. ولا يكفي هذا الرقم وحده لتحديد حجم مساهمة كل عامل في انتشار المرض، لكنه يسلط الضوء على أهمية معالجة المخاطر الصحية والبيئية بالتوازي مع أعمال إعادة التأهيل.
وتبرز هنا ضرورة التنسيق بين البلديات ومؤسسات المياه والصرف الصحي والجهات الصحية، بدلاً من التعامل مع كل مشكلة بوصفها ملفاً منفصلاً؛ فتراكم النفايات وسوء تصريف المياه وتدهور البيئة قد تتقاطع آثارها، بينما يؤدي تأخر المعالجة إلى مضاعفة الأعباء على السكان.
المشكلة الأساسية ليست في غياب الحديث عن المشروعات، بل في ضرورة قياس أثرها الفعلي. فكم ساعة تصل الكهرباء إلى كل حي؟ وما الجدول المعلن لضخ المياه؟ وكم يستغرق ترحيل النفايات؟ وما نسبة إنجاز أعمال إصلاح الصرف الصحي والطرق؟ هذه أسئلة ينبغي أن تجد إجابات معلنة يمكن للسكان ووسائل الإعلام متابعتها ومقارنتها بالواقع.
كما أن تحديد مواعيد لتقييم الأداء، مثل الموعد الذي أعلنته المحافظة لملف النظافة، يكتسب قيمته من الإجراءات التي تليه، لا من الإعلان وحده. فالتقييم الحقيقي ينبغي أن يحدد ما تحقق، وما تعثر، والأسباب، والجهة المسؤولة، والموعد المتوقع لاستكمال الأعمال.
وتحتاج المدينة كذلك إلى آلية واضحة لتلقي شكاوى السكان وتصنيفها بحسب درجة الضرر، ونشر تقارير دورية توضح الأحياء التي تحسنت خدماتها وتلك التي لا تزال تعاني، مع إتاحة المعلومات المتعلقة بالمشروعات والميزانيات ومراحل التنفيذ بالقدر الممكن.
حلب لا تحتاج إلى حملات خدمية عابرة بقدر حاجتها إلى إدارة مستمرة للخدمات. فالمعيار الحقيقي للتعافي ليس عدد الاجتماعات أو الورش المعلنة، بل قدرة المواطن على الحصول على المياه والكهرباء، والعيش في شارع نظيف وآمن، والعودة إلى منزله دون أن يصطدم بسلسلة جديدة من المشكلات اليومية.
وبين واقع متراكم من الدمار والأعطال، وجهود تقول الجهات المعنية إنها مستمرة لمعالجته، تبقى استعادة ثقة السكان مرهونة بنتائج ملموسة وشفافية في عرضها. فبالنسبة إلى أهالي حلب، لا تقاس استعادة الحياة الطبيعية بالتصريحات، بل بالخدمات التي تصل إلى منازلهم، وبالتحسن الذي يستطيعون ملاحظته يوماً بعد آخر.